بسطة الكتب ... صنعناه بحب
عندي حكي كثير

آخر هزيمة! – مهدي جابر

هزيمة

يقيناً عليّ الآن في هذه اللحظة حيث تخونني الذاكرة وتتآمر على قتلي وقتل كلّ ما تبقّى في جسدي من مساحات لا زالت مستعدّة لتلقّي أي ضربة جديدة توجه لقتلي .يقيناً سأتكشّف الآن ملوّحاً بهزيمتي الكبرى للـــحياة وبأنني مستعدّ لقبول أي هزيمة جديدة، تكون بحجمها أو بحجم السماء ، علّ وعسى أن تكون الأخيرة!.

فأيّ الأشياء سيُخبرني بها الإنتظار ، أيّها سيكون  أكثر وجعاً من هذه الأيّام الباردة التي أعيشها، أيّها سيكون متعثرّاً أكثر من هذه الشوارع الملغّمة بالحفر، أيّها سيكون أحقر من ساعة يدي التي تنفجر بوجهي كلّ ثانية، وأيّها سيكون أكثر ضجيجاً من  شخير جدران الأبنيّة  التي تحقرني كلّما إعتليت بناظري إلى شُرفة مُضيئة!.

هذه القنابل التي طالما جبنت عن تفجيرها أو تجرأت مستغفلاً نفسي بالتفكير في إنتشال أعماقها وفضح ملامحها القبيحة ، تدفعني الآن إلى التمنّي أن ترديني أيّ رصاصة طائشة تبحث عن جسد تستكين فيه ، أو للسير بفكرٍ شارد الهذب في طريق السيّارات السريع ، تلك التي تتسابق مع الموت .
فماذا سأفعل وجنون التفكير يضربني في كلّ زاويّة .. يخبرني بشيء واحد، شيء أشبه بنشر روحي بساطور مسنّنٍ غير حادٍّ ..: إنّك الآن غير قادر على المواجهة، إنّك الآن أوهن من ان تجابه  الإنفلونزا . تلك التي طالما باغتتني وأشبعتني غدراً بمناسبة أو من غير مناسبة . تلك التي لا تعرف مواعيداً لزيارتي!.
ذابل بما يكفيني الآن ، لا أحتاج إلّا وقتاً قليلاً ، وقتاً يكفي لأن أتناول وجبتي التي لم أعرف يوماً أن أنهيها حتى آخر جزء فيها ، أو وقتاً شاسعاً بحجم الشمس التي رحلت عنّي منذ أمدّ لم أعد أتذكّره .. بل وإنّني ساكون راضياً بوقتٍ يكفيني لأن أصرخ بضحكتي التي لم تعرفْ الصمت يوماً لأُطلقها إلى عنان السماءِ .. عالياً عالياً عالياً .. وقتاً لأشعر بآخر ما تبقّى فيّ من إنسانيّة هذا العالم!

كم من مواجهة تختزل هذه اللافتة في جوفها: مواجهة المنفى!، مواجهة الإندثار رغماً عن أنفك ، مواجهة المادّة، مواجهة السقوط والرضوخ امام القوانين التي تُقلقك دوماً وتخشى ان تقع في شباكها .. مواجهة التعثّر في الطريق الذي لم تعد تعرف أين إختفت  أضواؤه فجأة ،معلنةً لك بدايةً ستكون – يقيناً – قاتلة!.
هذا الطريق الذي لم أعد  أرى فيه غير الظلامِ والبردِ والحنين إلى ذكريات الطفولة. فكأنّ كلّ سُبل التفاؤل إحترقت من خلفي ، وهربت عن جانبي ّكلّ مقاعد الراحة .. ليستقبلني من امامي قتيلٌ يُضيء لي كلّ هذا الظلام ، فتيلاً أشعله لي صديقي أحمد من نور عينيه ودفء قلبه الذي ينبض كبركان ثائرٍ لا يعرف الإنكسار.
أحمد الذي يُعاني الأمرّين في وجه كلّ الذي إنسحبت منه أنا مهزوماً ، يتحدّى عرضَ الشوارع التي تضيّق نفوذ الهواء إلى أنفه ، مقاوماً للأيّام كرجل إعتاد أن يردّ الصاع صاعين! ، كسفينة تمزّق من خشبها مجدفاً كلّما إنكسر واحداً .
أحمد ُالذي يعطّرني برائحة النصرِ دائماً ، رائحةٌ تجوب أعماقي محلقّة كطير ٍ فرحٍ بنجاحه في أوّل محاولات الطيران ، رائحة أنتشيها في صوته كلّما هاتفني مبتعاً صوته تلك الضحكة، ضحكته التي لا تعرف التشابه مع أخرى على هذه البسيطة. ملامحه التي ترسم لي آخر وجوه  الوطن المتبقيّة ، الذاهبة والقادمة التي لا زلت أراها فيه. منفى في كلّ منفيٍّ منّا… وشتّان بين غربة وغربة!.

سأستسلم اليوم مهزوماً كقائد حارب حتى آخر رمق ، سأترك طابور من لا يزالون ” ينتظرون وصول تذاكر الفرح لهم “لأنتعل جسدي مرّة أخرى وأهربْ ، سأمضي لأخلدْ حيث يُحاصرني الجوع الذي لم أعد أكره حضوره ، سأتقيأ آخر مضغات الحب والعشق التي أشبعتني وجعاً في المعدة والقلب والرأس!. ويااا ليتني أستطيع أن ” أفرح بأقصى ما إستطعت ” لأنتظر ذاك المتجوّل الأعورْ. ذاك الذي يرى الناس سواسية ، ذاك الذي تآمر مع البشريّة التي نسيت بأنّني ” كمثلهم بشر ” .. ذاك الذي تجاهلني عامداً ، يُدير ظهره لي متكبّراً وكأنّه لا يراني!. فأنا لا أؤمن بالعشوائية الإلهية ولا أؤمن بكلّ من حدّثوا القصص عن جُبن الموت في أن يخطفك متى شاء وكيفما شاء.
سأجلس على مقعدي البارد منتظراً … منتظراً أن تمضي عقارب الساعة الواقفة .. منتظرأً هزيمة الوقت لي ألف مرّة أخرى .

منتظراً ويقتلني السؤال:
لماذا هذا اليوم اللعين لن يكون يومي.. ؟!!
لن يكون!
لن يكون!
لن يكون!

حُرّرت ونُشرت في ذات اليوم : 17/03/14

 

Loading...
الوسوم

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق