بسطة الكتب ... صنعناه بحب
المكتبة

تقاسيم الليل والنهار (مدن الملح #3) pdf – عبد الرحمن منيف

تقاسيم الليل والنهار (مدن الملح #3)

تختلف طبيعة الشعوب و قد يكون من السهل إقناعها بأمر من الأمور و لكن من العسير إبقاءها على هذا الإقتناع و لهذا أصبح من الضروري فرض الأمور عليها

الشعوب البدائية جديرة بالدراسة لأنها لا تعكس الصفات الأولى و ربما الأساسية في الإنسان و إنما تحدد نمطاً من العلاقات و الصيغ أصبحنا نجهلها لأننا إبتعدنا عنها كثيراً. و من هنا ضرورة أن ينخرط الإنسان في هذا المجتمع أكثر فأكثر من أجل أن يصل الى أعماقه و أن يفهمه بدقة لكي يتوقع و يستنتج ما يمكن أن يتمخض عنه. و هذا ما كان عبدالرحمن منيف عمله فلقد شخص المجتمع السعودي و أخذ قطاعاً عرضياً منه في مراحل متعددة من مراحل تكوين الدولة استغرقت أجزاءاً خمسة من هذه الملحة الروائية التي تستحق التحويل لفيلم سينمائي أو حتى مسلسل تلفزيوني.

يتناول الكاتب في الجزء الخامس المعنونة ب “بادية الظلمات” مرحلة إنتقال مركز القوة التقليدي الى مجموعة من الأمراء تحكمها علاقات النسب و الإنتماءات القبلية للأمهات أكثر مما جمعتها علاقات الأخوة و الإنتماء الى نسل السلطان القوي الذكي الذي وحد السلطنة لكن حكمه إستبدل هذه المقومات بعيوب الدولة التي جاءت بدلاً عن السلطنة.

و علاقات الفراش التي حددت مستقبل الدولة ،، لم يفهمها الإنجليز جيداً ، فهم يرون البدو أمامهم ، يرون أشكالهم ، لكن لا يعرفون أعماقهم و لا يعرفون كيف يفكرون و ماذا يملأ عقولهم و صدورهم و لذلك فإن الغريب عن تلك البيئة يتوهم ، يرى فقط ما يريد فقط ، أما الأشياء الأخرى فلا يراها بالضرورة. وصمت البدو في تلك الصحراء القاحلة التي لم يفهمها الإنجليز جيداً هو ما قتلهم فأغرب شئ في تلك البلاد أن الناس لا يتكلمون أنهم كالسلاحف يغرقون في قواقعهم و يصمتون و وحدها عيونهم التي تتكلم و حين تتكلم العيون فإنها تقول أشياء خطيرة أقرب للحرائق.

و هكذا إنتقلت مقاليد الولاء من الإمبراطورية التي غابت عنها الشمس الى الإمبراطورية الوليدة. ترك الإنجليز جميع المفاتيح في يد السلطان الذي ترعرع على أيدهم و لو تركتوا بعض المفاتيح عنده لأضطر السلطان الجديد أو غيره يعود اليّ لكن حين سلّمت له المفاتيح ، فتح الطير و أنطلق الى حيث يريد ، الى حيث يجد أن ذلك أكثر ملاءمة له. و كان السلطان الوالد براغماتياً حين قال : “الشجاعة للألمان و الدهاء للانكريز و اللي يحبون الدنيا و الكيف الفرنسيين و الطرب للأتراك و الصبر لأهل الصين و الهند و اللي يرمون قروشهم بالقاع و ما يخافون الأميركان .. و حنا بتوفيق من الله .. نصلي ورا علي و ناكل مع معاوية. بالسياسة مع الانكريز و بالمصلحة و الشغل مع الأميركان” !!

هكذا تُحكم دولنا و ممالكنا .. ب “قوة السروال” فعند عتبات غرفة النوم يترك الرجال ألقابهم و سيوفهم و نياشينهم. أما حين ينزعون سراويلهم فأنهم يتخلون عن قسوتهم و تحفظهم و خوفهم و يصبحون أكثر سعادة للفهم و الإستجابة شرط أن نقول لهم الشئ المناسب و على دفعات تتناسب مع اهتزازات السرير. و أخطر شئ في هذه الحياة بعد الله و المال هو السروال : إذا كانت دقته قاسية أتعب ، و إذا أرتخت دكته أشقى و أتعب.

حكّامنا يشبهون السيول : يأتون بقوة لكن يذهبون بسرعة. البحر ينتظر ليبتلع كل السيول و البحر يبقى و يبقى الوطن و تبقى الناس. و يظنون أنهم قد عملوا المستحيل لأبناء شعبهم فبعدما كانوا يرعون الإبل و الغنم و كانوا يسافرون من أرض لأخرى حتى يلقوا الخبز و كانوا يشتغلون هنا و هناك مثل الصناع و الخدم حاول السلطان إراحتهم بأن وصلهم كل شئ و ألزمهم الرّاحة و موارد الرزق بلا إنتاجية و لا نظير لهذا الشئ سوى الصمت. لكن حين طال الحديث و وصل الى “الدستور” فإن الأمر قد تغير ، السلطان لا يحكم حسب عقله و ضميره و الذي يراه بصالح الناس. لكن يلزمه أن يقوم بما يُطلب منه ، و إذا خالف يعزلونه !

في نهاية الرواية يحكي لنا الكاتب الخلافات العائلية التي أفضت الى إغتيال السلطان بواسطة أحد أقربائه و لا أدري لماذا لا أجد المقاربة مع حادثة إغتيال الملك فيصل على يد أحد أبناء إخوانه غير مستغربة إطلاقاً !

للتحميل

Loading...
الوسوم

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق