الأحد , مارس 26 2017
الرئيسية / علوم / كيف شاهد آينشتاين العالم؟

كيف شاهد آينشتاين العالم؟

 اينشتاين

المدرسة تخلت عني وانا تخليت عنها. أشعرتني بالملل. كان المعلمون يتصرفون كرقباء في الجيش. كنت أريد أنّ اتعلم ما أريد معرفته، لكنهم كانوا يريدونني أنّ اتعلم للامتحان. جلّ ما كنت اكرهه فيها هو نظام المنافسة، وبخاصة في الرياضة. بسبب ذلك كنت عديم النفع، وعدة مرات اقترحوا علي أن أغادر المدرسة.  كانت تلك مدرسة كاثوليكية في ميونخ.

أحسست أن عطشي للمعرفة يتم عرقلته من قبل أساتذتي، فالدرجات كانت مقياسهم الوحيد. كيف يمكن لأستاذ أن يتفاهم مع الشباب بمثل هذا النظام؟ منذ سن الثانية عشرة بدأ شكي في السلطة وبدأ انعدام ثقتي في الأساتذة.

كان معظم تعليمي في المنزل، في البداية عن طريق عمّي ثم عن طريق طالب كان يأتي ليأكل معنا مرة كل أسبوع. حيث كان يعطيني كتباً عن الفيزياء وعلم الفلك.

كلما قرأت أكثر، ازدادت حيرتي حول نظام الكون وفوضى العقل البشري. سبب هذه الحيرة هو العلماء الذين لم يتفقوا على كيفية، أو وقت، أو سبب الخلق. ثم، في أحد الأيام أحضر لي ذلك الطالب كتاب “نقد العقل الخالص” للفيلسوف كانت.

أثناء قراءتي لكتاب “كانت”، بدأ شكي في كل ما تعلمته.  لم أعد مؤمناً بإله الإنجيل، وإنما بالإله الغامض الذي تعبّر عنه الطبيعة.

إن القوانين الأساسية للكون بسيطة، ولكن لأن حواسنا محدودة القدرات، فإننا لا نستطيع أن نفهمها.

هناك نمط متكرر في الخلق. إذا نظرنا إلى هذه الشجرة في الخارج، التي تمتد جذورها للأسفل باحثةً عن الماء، أو إلى الزهرة التي تبعث برائحتها الزكية إلى نحلات اللقاح، أو حتى إلى أنفسنا وإلى القوى الداخلية التي تدفعنا للحركة، يمكننا أن نرى أننا جميعاً نرقص على أنغام غامضة، والعازف الذي يعزف تلك الأنغام من مسافةٍ غامضة ــبغض النظر عن الاسم الذي نعطيه له، القوة الخلاقة أو الإله ــــ يتخطى المعرفة التي نحصل عليها من الكتب.

العلم لا ينتهي أبداً لأن العقل البشري يستخدم جزء صغير من سعته، كما أن استكشاف الإنسان لعالمه محدود أيضاً.

قد يكون الخلق روحاني في الأصل، ولكن هذا لا يعني أن كل ما خُلق هو شئ روحاني.

كيف أشرح مثل تلك الأشياء لك؟ فلنتفق أن العالم هو لغز. فالطبيعة ليست مادية فقط وليست روحانية بشكل كامل. والإنسان أيضاً هو أكثر من مجرد لحمٍ ودم، وإلا لَما وجِدت الديانات.

وراء كل سبب هناك سبب آخر. ولكن البداية التي أدّت إلى كل الاسباب ونهايتها لم تكتشف بعد. مع هذا، يجب أن نتذكر شيئا: أن ليس هناك أثر بدون مؤثر، وليس هناك فوضى في الخلق. لو لم يكن لدي إيمان كامل في تجانس الخلق، لما حاولت لمدة ثلاثين عاماً أن أعبّر عنه في صيغة رياضية.
إن وعي الإنسان بما يفعله بعقله هو فقط ما يرفعه عن الحيوانات، ويمكنه من الوعي بنفسه وبعلاقته مع الكون.

أعتقد أن لدي شعور ديني كوني. لم أفهم قط كيف يمكن المرء أن يشبع ذلك الشعور عن طريق الصلاة لأشياء محدودة. إن الشجرة التي بالخارج هي الحياة، والتمثال ميت. إن الطبيعة كلها حياةـ والحياةـ كما أراها ترفض فكرة أن الإله يشبه الإنسان.

للإنسان أبعاد محدودة، وهو يجد الإله في وجدانه.

إن الدين الكوني ليس لديه عقيدة سوى تعليم الإنسان أن الكون عقلاني وأن قدر الإنسان  الأعلى هو أن يتامله ويعيد الخلق ضمن قوانينه. أنا أحب أن أنظر للكون كأنه كلٌ متجانس. كل خلية بها حياة. المادة أيضا بها حياة، إنها طاقة صلبة.

أجسامنا تشبه السجن، وأنا أتطلع إلى أن أتحرر لكني لا أخمن ماذا سيحدث لي. أنا أعيش هنا الآن ومسؤولياتي هي بهذا العالم الآن أتعامل مع قوانين الطبيعة هذا هو عملي هنا على الأرض.

يحتاج العالم إلى دوافع أخلاقية جديدة، والتي أخشى أنّ الكنائس لن تعطينا إياها، ولن توصلنا إلى تسوية كما لم تستطع على مدى قرون. ربما يجب أن تأتي هذه الدوافع من علماء يسيرون بنهج غاليليو، وكيبلر و نيوتن.

حيث على الرغم من تعرضهم للفشل والاضطهاد، كرّس هؤلاء الرجال حياتهم لإثبات أن الكون كينونة واحدة، والتي اعتقد انّه لا مكان لإله ذو صفة بشرية فيه.

إن  العالِم الحقيقي لا يتأثر بالمديح أو الذم،  وهو لا يعظ. هو يكشف النقاب عن الكون ويأتي الناس متلهفين، غير مجبورين، ليشاهدوا وحي جديد: الترتيب، والانسجام، وعظمة الخلق! وعندما يدرك الإنسان بعظمة القوانين التي تحكم الكون بتناغم كامل، يبدأ بإدراك صغر حجمه هو يرى تفاهة الوجود البشري، مع طموحاته ومؤامراته، وعقيدة ” أنا افضل منك “.

هذه هي بداية الدين الكوني بداخله: تصبح الألفة والمساعدة الإنسانية رمزه الاخلاقي. وبدون أساسات اخلاقية كهذه، نحن هالكون بشكل ميؤوس منه. اذا أردنا تحسين العالم لا يمكننا فعل هذا بالمعرفة العلمية ولكن بالمثل.

 كونفوشيوس، بوذا، ويسوع و غاندي قدموا للإنسانية أكثر ما قدمه العلم. يجب أن نبدأ بقلب الإنسان – بضميره – وقيمة الضمير تستطيع الظهور فقط من خلال خدمة الجنس البشري بدون أنانية.

 الدين والعلم يتماشيان معا” كما قلت سابقا”، العلم بدون الدين كسيح والدين بدون العلم أعمى هما يعتمدان على بعضهما ولديهما هدف مشترك – البحث عن الحقيقة. لهذا السّبب من السّخف أن يحرّم جاليليو أو دارون او علماء آخرون. وبالتساوي إنّه من السخف أن يقول العلماء أنّه لايوجد إله. فالعالم الحقيقي لديه إيمان، هذا لايعني أنه يجب أن يتبع عقيدة. من دون الدين لا يوجد إحسان. فالروح التي اعطيت لكل واحد منا تتحرك بنفس الروح الحية التي تحرك الكون.

أنا لست باطنيّاً mystic. إنّ محاولة اكتشاف قوانين الطبيعة لا علاقة له بالتعاليم الباطنية، وبالرغم من اني أشعر بتواضع شديد في وجه الخليقة كما لو أن روح تجلت بقوة لا محدودة أمام روح الإنسان. لقد خلال سعيي في العلم عرفت مشاعر الدين الكوني، لكن لا يهمني ان أُدعى باطنيّاً. اؤمن بأننا لا نحتاج أن نقلق لما سيحدث بعد هذه الحياة ، طالما أننا أدّينا واجبنا هنا – أن نحب و أن نخدم.

 لدي إيمان بالكون، لأنّه عقلاني. القانون يشكل أساس كل حدث وأنا أملك إيمان في غرض وجودي هنا على الارض. لدي إيمان في حدسي، لغة ضميري، لكن ليس لدي إيمان بالتخمين حول الجنة والنار. أنا مهتم بهذا الوقت – هنا. والآن يعتقد كثير من الناس أن التطور في الجنس البشري يعتمد على اختبارات طبيعة حاسمة و تجريبية. ولكن أنا اقول أن المعرفة الحقيقية يجب أن تُؤخذ فقط من خلال فلسفة الاستنتاج. لأن الحدس هو الذي يطوّر العالم،  ليس فقط متابعة مسار قديم للفكر. حيث يجعلنا الحدس ننظر لحقائق غير مترابطة وبعدها نفكر بها حتى تستطيع كلها أن تخضع لقانون واحد. أن تبحث عن حقائق مترابطة يعني التمسك بما لديك بدل البحث عن حقائق جديدة. الحدس هو أب المعرفة الجديدة في حين أن التجريب لايعد شيئا سوى تراكماً للمعارف القديمة. الحدس وليس الذكاء هو “أفتح يا سمسم” لنفسك بالفعل. ليس الذكاء، ولكن الحدس هو الذي يقود الإنسانية إلى للأمام. الحدس يقود الشخص إلى غايته.

في هذه الحياة لست بحاجة إلى أي وعود بالخلود لأكون سعيداً خلودي هو الآن. لدي اهتمام واحد: أن أُنجز غايتي هنا حيث أنا موجود. لم يوحي إلي بهذه الغاية والداي ولا البيئة المحيطة بي. وإنّما حثتني عليها عوامل مجهولة جعلتنى جزءاً من الأبدية.

مصدر النصّ: لقاء “اينشتاين والشاعر: في البحث عن الإنسان الكوني” (1983 ). من سلسلة لقاءات ويليام هيرمانز مع اينشتاين في 1930، 1943، 1948 و 1954

رابط لوثائقي (بالانجليزية) بعنوان  How Einstein Saw the World

– See more at: http://www.moutarjam.com/%d9%83%d9%8a%d9%81-%d8%b1%d8%a3%d9%89-%d8%a7%d9%8a%d9%86%d8%b4%d8%aa%d8%a7%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%9f/#sthash.7PiHmuA3.dpuf

عن محمد نظمي

محمد حسن | خريج جامعة النجاح الوطنية | بكالوريوس تصميم جرافيك | محرر ومدوّن في شبكة طلاب

شاهد أيضاً

ما المقصود بعملية الإنتاج؟

ما هو الإنتاج؟ يعرف الإنتاج على أنه : • الوصول إلى المنفعة والزيادة على ما هو …