مقالات

في قهوة عالمفرق | عن مقهى الهموز وتاريخها في نابلس

عدسة أيمن نوباني
عدسة أيمن نوباني

عن وكالة وفا -جميل ضبابات

‘في قهوة على المفرق’، يصدح صوت السيدة فيروز باغنيتها الشهيرة من مذياع داخل مركبة تقف على مفرق شارع الشويتره بمدينة نابلس بالضفة الغربية.

 وليس هناك موقد ولا نار ولا عشاق، على المفرق الذي يتفرع الى شارع النجاح ووسط البلد فقط رجال يعبّون دخان النرجيلة ويتحدثون عن السياسة في ‘قهوة الهموز’: المكان الشاهد على التحولات السياسية والاقتصادية والامنية في المدينة التي تضم عددا من المقاهي الكلاسيكية التي اسست نهاية القرن قبل الماضي ومازالت تعمل حتى الان.

ويعمل الجيل الثالث من ابناء الهموز، وهي العائلة التي حمل المكان اسمها في المقهى الذي اسس عام 1892، كمقهى شعبي يقدم المشروبات الساخنة ونرجيلة التمباك، مثل مقاهي شعبية اخرى في المدينة التي يعتبر ممارسة تدخين هذا الصنف جزء من حياتها اليومية.

ويعبّ رجال الدخان في زوايا المقهى. ويوزع التمبكجي الجمر الملتهب كلما طلبه زبون.

انها ذات الطريقة التي دخن فيهم اباؤهم واجدادهم هنا، الذين عاصروا مراحل مختلفة من تاريخ المدينة التي شهدت خلال العقود الماضية تحولات كثيرة في نمط الحياة.

منذ العام الذي قرر فيه احد افراد العائلة تأسيس المقهى عندما كانت المدينة تخضع للحكم التركي، في مخازن تقع على طرف الطريق الذي يعتبر اليوم من الطرق الحيوية في المدينة، تعاقب جيل بعد جيل على ادارة هذا المكان.

انها المهنة في الوراثة.

بعد اكثر من 120 عاما على بدء عمل المقهى الذي يشرف من جهة الشرق على وسط المدينة وجبلها الشمالي، يروي رايق الهموز رواية والده كيف احتل الانجليز المقهى عام 1940 وحولوه الى محطة للدراجات التي كانوا يستخدموهها.

وهذه احدى العلامات الفارقة في تاريخ المكان. وثمة مبان كثيرة في نابلس كان ذات علاقة مباشرة بالانظمة الحاكمة في البلد.

‘انظر هذه صورتهم داخل المقهى’. واشار الى صورة يظهر فيها الجنود الانجليز وهم يقفون في طوابير امام بوابة حديدية تفصل البناء عن الشارع، مازالت مستخدمة حتى الان.

وقد يروي جزء من الرجال الذين يرتادون المقهى  التاريخ الحديث للبلد بطرق مختلفة. ومعظم رواد المقاهي يحافظون على تقليد معين عندما يطلبون النرجيلة او المشروبات الساخنة.

مقهى الهموز يفرض معاملة صارمة على الزبائن. لا يقدم اي مشروبات روحية، ولا يسمح بلعب القمار باي شكل

انها نابلس المشهورة بالتمباك بانواعه

ويفضل بعض الرجال في المدينة المشهورة بازقتها ارتياد مقاهي كلاسيكية لا تقدم الا التمباك كمستهلك محلي له تاريخه.

انها حالة مزاج لم تتأثر بدخول التمباك المعسل الى المقاهي.

ويمكن ان يفضى تفرغ لزقاق في البلدة القديمة الى احدى هذه المقاهي. وبعضها قديم جدا.

كان مقهى الهموز في فترات مختلفة مركزا لمثقفي وادباء المدينة، مثلما كان ايضا قبلة لكبار مطربي وممثلي العرب قبل العام 1976.

قال ايمن الهموز وهو واحد من شقيقين يديران المقهى’ جاء الى هناك فريد الاطرش، يوسف وهبي، وغيرهم.(,,,)، كانوا يأتون الى هنا’.

يردد المعنى ذاته رجال اخرون.

قد تعقد صفقات تجارية هنا وقد تباع اراضي او مركبات، وايضا يستعرض المرتادون اخر النهار اخبار الثورات العربية، والمصالحة الفلسطينية المتعثرة.

لكن الماضي كان اكثر درامية في باحة المقهى الذي يطل على تاريخ المدينة التي تتمدد على بطون الجبال، وعانت من عدة مراحل استعمارية.

في الانتفاضة الاولى اصبح المقهي مقرا لبعض الناشطين، الذين كانوا يكتبون المنشورات هنا. غالبا ما يكون الصباح هادىء، فليس الا بضعة مرتادين، ومجموعة من الشبان تلعب الورق. لذلك يعمل التمبكجي خميس المصري بكل راحة ودون ضغط.

ويعمل المصري على نقل النراجيل الى شاب وفتاتين جلسا للتو تحت أشجار تطل على شارع يقع اسفل المقهى. وتضج المدينة بالحركة شيئا فشئيا فيما يزداد عدد القادمين الى المقهى.

لكن المقهى الضاج مساءً، هادىء تماماً صباحاً. وهناك من يرتاد المقهى كل يوم، مثل محمد ابو جرادة الذي يفعل ذلك منذ 60 عاما.

‘عشرة عمر’ قال ابو جرادة. ويسرد كيف كان’ قادة البلد يأتون الى هنا’ للحديث وتدخين النرجيلة. يردد المعنى ذاته رجال اخرون يجلسون في المقهى.

والمدينة التي فقدت جزء من طابعها المعماري التقليدي، بعد بروز نمط البناء الحديث في العقود الاخيرة، تضم الان العديد من المقاهي الحديثة، التي يرتادها الشبان.

مع ذلك لا يخشى ال الهموز ان يغلق مقهاهم يوما بسبب زحمة المقاهي الجديدة.

يقول الابناء ان المقهى وغيره من المقاهي التي استمرت في العمل عبر حقب كثيرة، بامكانها الاستمرار بنفس نمط العمل، لان هناك امزجة لا تتغير.

في شوارع نابلس، المدينة التي يرتادها، يوميا الاف الزوار من كل انحاء الضفة الغربية، ومناطق عام 1948، يمكن الاستدلال بسهولة على سلسة من المقاهي الحديثة التي تقدم المشروبات الساخنة والباردة والطعام طيلة ساعات النهار.

لكن المقاهي الشعبية، مستمرة في العمل. و’ بقوة. الناس تزدحم في هذه المقاعد’ قال التمبكجي المصري. ويمكن ان تقدم بعض المقاهي خدمة مشاهدة التلفاز لعرض مباريات كرة القدم، وبعضها يقدم خدمة الانترنت اللاسلكية. انه التطور الذي اصاب المقاهي بدون شك. فقد يحضر مرتاد الى المقهى ويرتاد  من داخله مقهى اخر على صفحة ‘فيسبوك’.. من هنا. من مقهى الهموز.!

Loading...
الوسوم
Loading...

محمد نظمي

محمد حسن | خريج جامعة النجاح الوطنية | بكالوريوس تصميم جرافيك | محرر ومدوّن في شبكة طلاب

مقالات ذات صلة

إغلاق