بسطة الكتب ... صنعناه بحب
المكتبة

جبل قاف

“كنت جالساً أذكر حتى وقعت لي شبه غيبوية وأحسست بإعياء كبير، وتفقدتني زوجتي مريم لتناول طعام العشاء فوجدتني مغمياً عليّ فراعها منظري وسارعت إلى رش بعض الماء على وجهي، ثم اخطرت ولدي وأهل البيت بما وقع فسارعوا اليّ. أفقت بعد ذلك من غيبوبتي ورأيتهم متحلقين حولي فبادرتني مريم قائلة: لقد قلقنا عليك يا أبا محمد، فماذا حصل لك؟ قلت: انه هادم اللذات قد جاءني. … لقد كنت تتكلم وأنت في غيبوبتك، فمع من؟ فقلت لهم: اعلموا أن لأهل الله أحوالاً عند الموت. فالواحد منهم يكشف عنه الغطاء فيصير بصره حديداً فيعاين أمره الذي ينفرد به عندما يأتيه اليقين، ولا يقين أيقن من الموت لأنه متيقن الوقوع في كل ذي كبدة رطبة. فقد وقعت لي شبه غيبوبة عاينت خلالها أحوالي. فقد شاهدت اثني عشرة صورة بأكملها. وهذه الصور قد تحصل كلها أو بعضها للقوم. فقد رأيت صورة عملي وصورة علمي وصورة اعتقادي وصورة مقامي وصورة حالي وصورة رسولي وصورة المَلَكْ وصورة اسم من أسماء الأفعال وصورة اسم من أسماء الصفات وصورة اسم من اسماء النعوت وصورة اسم من أسماء التنزيه وصورة اسم من أسماء الذات. فقد منّ الله عليّ بهذا ووقفت عند كل صورة بل سورة لأنها منازل. ولكن لما تجسدت المعاني وظهرت بالأشكال والمقادير تصورت في صور… فالعظم قد وهن من كثرة الترحال. صار هذا الجسد المرتهن نحيفاً هزيلاً لا يطعم الا ما يسدّ الرمق ولا يشرب الا ما يطفئ حرقة الصادي. وقد عدت في هذه الأيام الى ذكر الكلمة المشرّفة “لا اله الا الله” وعليها نلقى الله. وقد كان ذكري سابقاً هو الاسم المفرد. إن حياتي على هذه الأرض بمثابة كلمة الشهادة. سألني بعض الأصحاب عن الموت وأنا على فراش أتوسل اللقاء إلى الرفيق الأعلى، فقلت والعبرة تخنقه ومن حوله: الموت يا ولدي هو لطف الله بالإنسان، فليس للموت لحظة ولا ساعة، وإنما هو حركة ممتدة ابتدأت منذ ظهر الانسان، فيوم ولد يوم مات. أما هذه اللحظة التي يسمونها الموت فهي انقطاع النفس الذي هو أصغر الأيام. وموتنا هو انتقالنا الى الدار الأخرى الى البرزخ الذي هو قاعة الانتظار الكبرى حتى قيام الساعة يوم هم بارزون… وقد استكملت من العمر ثمانية وتسعين، فقد ولدت عام 560 وهو عدد أبواب الفتوحات المكية على المشهور. ثم خاطبتهم قائلاً: اشهدوا فقد بلّغت. وإني سألقى الله راضياً مطمئناً… كان محيي الدين أبو عبد الله محمد بن العربي الحاتمي الطائي المغربي يتكلم بصوت خافت كأنه منبعث من بئر شطون. وكانت الأصوات يقرع بعضها البعض فيسمع لها صدى ينقلها الى الفضاء الرحب، الى كل العوالم والخلائق. وكان هذا الصوت ثقيلاً على القلوب فيه رعشة ورهفة أوجمت النفوس والأنفاس، ولم يجرؤ أحد على النطق، فهذه ساعة يرتفع فيها الكلام وتنزل فيها الهيبة. ثم أوصاهم بتقوى الله… ثم صرفهم كما لو أنهم لم يدخلوا. وبقي مع محيي الدين زوجته مريم فسألها أن تسنده اليها فوضع رأسه بين سحرها ونحوها، وكانت المسكينة تبكي في صمت فسقطت عبرة ساخنة على شفتيه ألهبته للكلام فقال لها: كفي هذه الدموع الحارة يا مريم، فأنا في لحظة الوداع التي هي عين اللقاء. لا تمسكيني في هذه الدنيا فضرتها تغازلني. لقد طفت وعمرت واحداً وستين قافاً هي كتاب وجودي على جبل قاف. انني البداية والنهاية، وأنا الأسى بين الحق والخلق. لقد صليت الصبح في سفح الجبل، وقد أذن المؤذن لصلاة المغرب على القمة. وبين السفح وقمة الجبل مسيرة خمسمائة عام. انها الصلاة الدائمة، الصلاة الوترية، صلاة الشاهد، دعيني أؤم الناس، ثم رأى كأنه قام يصلي وقد اصطف المصلون خلفه وفيهم من جميع الأمم ومن جميع الخلائق. ولما خرّ في سجوده غاب عن حسه وغشيته أنوار الملكوت وخاض لجة المعارف، وطفقت تراوده جميع المنازل حتى عرس بها، فلما استظهرها وأدرجت بين جنبيه فترت شفتاه بالشهادة ولسانه يردد: الله الله الله، وأشار بالسبابة ونطق بكلمة الرفيق. فكانت آخر كلمة تلفظ بها ومعها لفظ أنفاسه فخرجت روحه الى الملكوت، وعم الناس نور عظيم ثم كف ذلك النور كما ينطفئ السراج في بساط الليل البهيم، فأفاق الناس من سكوتهم وعاينوا الشيخ الامام، المعلم الأكبر مربي العارفين، الأعلم بكل فن من أهل كل فن، الكبريت الأحمر مسجّى ساجداً لم يقم من سجوده، وقد انكفأ على نفسه انكفاء القاف بتعريقته. وكيف لا يكون قافاً وهو لم يفتأ قرآناً متلواً منذ أرسى في مرسيه وحتى آخر رمق من أنفاسه في محروسة دمشق. كان آخر حرف يفوه به هو القاف في كلمة الرفيق، ليل 22 من ربيع الثاني 638 كان محيي الدين قافاً، وقد سخّر حياته للقاف.. لقد اقتفى القاف أثر القاف، وما ثمة الا قائف وقاف. لقد سالت النقطة كالعبرة تبكي القائف الذي طلب أعز ما يطلب، وخرّ ساجداً في محراب القاف (ق) الذي رأى (ر) حقائق الذات والتوحيد (آ) ثم فنى بعدها في مداد نون (ن) نحيب الذات (ق– ر– آ– ن)، وتلك هي المنقبة العظمى والقربة المثلى مع الصديق والرفيق… ودفن القاف في سطح جبل قاسيون غير بعيد عن الربوة المباركة حيث مثوى سبعين ألف نبي”.
طاف وسرى وسلك وعرف فكان من العارفين، محيي الدين ابن العربي الحاتمي ساكن مرسية التي شهدت مولده… والتي منها انطلق في رحلته العرفانية… في أشبيلية، حيث جبل المنتيميار وهو جبل عالٍ على فرسخ من أشبيلية، حيث قرأ في سطور رسالة القشيري مع شيخه الكرمي الراكب على فرسه في رأس هذا الجبل، جبل قاف، وعرف أن من نعت وصفة أهل الصفة والصفوة الخلوة، والتي هي من امارات وعلامات الصلة والوصلة وأنه يلزم المريد في بداياته العزلة عن أبناء جنسه وفي نهايته من الخلوة ليتحقق من أنس حبيبه. وعرف أن الخلوة العظمى هي خلوة جبل قاف ذاك الذي هو محيط بالأرض ولا يصل له الا كبار الصالحين لحضرة الحق تعالى.
وهكذا يأخذك الروائي في رحلة روحية لتدخل في رحاب الكشوفات الالهية ومعانيها، وتطلع الى أحوال أهل الله ومقاماتهم ومواطنهم ومنازلهم، وتقرأ في صفحات الفناء… “ثم فنيت مرة أخرى عني وقد كنت جالساً كما يجلس المصلي… خلال هذا الفناء الثاني أو الثالث أو لربما الرابع في زمان الذكر… وجدتني قائماً في سكرتي، وكيف لا يسكر الحبيب بمحبوبه وهو قائم عليه متول لخدمته… فكيف أجلس والحبيب يسقي ويدير خمرة المعرفة الصافية العذبة التي لم تمتزج الا بعرف الأنوار وتختتم بمسك الأسرار… كنت في صلاة دائمة أحمدية سرمدية أبدية أزلية لا تعرف الا الاثبات حيث زال ظل النفي فلم يعد الا ضوء الشمس في واضحة النهار فأطفئ السراج ]…[ حينها أفاق محيي الدين ابن العربي من فنائه على فنائه، ومن فنائه على بقائه فانقطعت الأنفاس وعقب ذلك أنس لذيذ ولطف رقيق.. وخرج من خلوته الجثمانية… فكان شبحه بين الأشباح وروحه مع الأرواح. دامت خلوته هذه شهوراً، وقد كان شيخه أبو العباس العربي هو الذي أمره بها حتى فتح الله عليه.
رحلة عرفانية روحية، يستأنس بها القارئ، ويطوف مع الراوي والروائي في رحلة تأخذه الى زمان ومكان بعيدين، الى بلاد الأندلس حيث زمن دولة الموحدين. يطلعك الروائي على أحداث تاريخية حدثت في بلاد الأندلس في تلك الفترة وما قبلها بقليل أيام الأمير ابن مردنيش، ويقدم لك صورة عن الحياة الاجتماعية في تلك الفترات، دون أن ينسى الحركة الفكرية السائدة حينها. وبين الحقيقة والخيال، ومن خلال صنعة روائية ابداعية، تدخل أنت وكقارئ عمق تجربة صوفية مقنعة من حيث استخدام المصطلحات والنصوص، وتغيب في عالم محيي الدين ابن العربي، وتنزل ضيفاً على جبل قاف، تتماهى حينها معه ليسكنك وتمضي معه في حالِه وترحاله وصولاً الى حيث المقام الأخير في دمشق التي سكن فيها وإليها محيي الدين ابن العربي… وكيف لا قد ضمته في خلواته كما في خلوته الأخيرة التي ليس فيها بينه وبين الحبيب فراق.
Source: قرطبة

Loading...

مقالات ذات صلة

إغلاق