الأحد , فبراير 19 2017
الرئيسية / المقهى الثقافي / مقالات / ما هكذا يا سعد تورد الإبل | عبد الحميد العمري

ما هكذا يا سعد تورد الإبل | عبد الحميد العمري

ما أرى أحدا ظلمَ الأمةَ أكثر مما ظلمها المنتسبون إليها ممن تدفعهم الغيرة للدفاع عنها، فيوقعهم مَنْ ينازلون في ساحته، فيفرض عليهم قوانين الحرب كما شاء، ويملي عليهم أخلاق النزال فتجرهم الحمية إليها، فإن انتصروا فَوَهْمٌ، وإن هُزموا حُسب على الأمة انهزامهم.

ولو أنهم نظروا في الأمور من أصولها، ورجعوا في كل مشكل يعترضهم إلى أساسه، لبطل كثير من هذه المعارك الزائفة المختلقة اليوم باسم الدين والدفاع عنه… ولرأيتَ فلول الغزاة تنسحب ذليلة. لأن أغلب المعارك يثيرها انصراف أبناء الأمة عن النظر في أصل المشكلة إلى فحص أمر فرع من فروعها، فما ينتهون منه حتى يرون فرعا آخر قد أصابه ما أصاب صاحبه، وهكذا… ولو أعملوا العقل لعالجوا الأمر من جذوره فأصلحوه في أذهانهم أولا، ثم في أذهان من يخاطبون، فإن لم ينفع العلاج والكيُّ استأصلوه فينتهي الأمر إلى غير رجعة إلا أن يشاء الله – ثم لم يكن بعدُ داع لأن يقف الواحد منهم في ساحة المعركة ينتظر أن ينافره أحد فيردَّ عليه… لأن ذلك فعلُ العاجز الضعيف الذي لا يملك إلا أن يقول للناس: إني لستُ ضعيفا، ولسان الحال أبين من لسان المقال !!

 إنه لم يقتل هذه الأمة العظيمة شيء بعد انتكاستها أكثر مما فعل بها التحزُّبُ وردة الفعلِ وطغيان الأحلام المجردة!! فالتحزب فرق فيها ما لم يفرقه الثلاثي المتلازم المدمر: الاستشراق والاستعمار والتبشير،  وجعل أيام أبنائها وحياتهم كلها في أمرين: إما أن يفتعل الأعداء أو من يناصرهم ويتودد لهم من بني جلدتنا شيئا فيهب إليه كلٌّ منهم يسبُّ ويشتم وينتقص… ثم يمسكُ، وإما أن تضع الحرب أوزارها فيعود بعضهم إلى بعض يتلاومون ويختلقون حروبا بينهم لا أساس لها إلا حبُّ الرياسة، وهم يرونها –فيما يصور كبارهم وفقهاؤهم- أصلَ الأصول… لأنه لا بد من صراع لتستمر دورة الحياة، فإن لم تكن مع عدو حقيقي أو مصطنع، فلتكن مع أخ نجعله عدوا حتى يكشف لنا الزمان عن عدو آخر نتلهى به. ومن أجل ذلك لا تجد لهذه الأحزاب والجماعات – ولا أخص أحدا ولا أستثني- حَيَاةً تنفع الأمة إلا في الأزمات حين يُحكٍّمون سلطان العقل فيوحدون قُواهم لمحاربة العدو. فإذا انقضتْ الحرب كانوا همُ الأزمةَ. وهذه وحدها لم يستطع المستعمر أن يفرضها عليهم بالقوة، وكم جهد نفسه ليزرعها في جسد الأمة فلم يظفر بطائل، فلما تولى عنهم عمدوا إلى تلك البذور التي خلَّف فحرثوا الأرض وزرعوها، فهم يسقونها اليوم من دمائهم وإيمانهم وأنفاسهم… فأي حظ كان مع المستعمر؟؟ !!

وأما ردة الفعل فأمرها أشنع وأخبث. فأغلب ما تراه اليوم من أفعال المسلمين ليس إلا ردات أفعال حين يُهَيِّجُهم العدو إلى شيء، فيندفعون إليه. ويعود هو إلى الخلف ينظر آثار لعبته فيهم ضاحكا مستبشرا بما فعل. فإن شئتَ أن تتحقق من هذا، فانظر إلى أكثر هذه المعارك الوهمية التي تدور في ساحاتنا تجدْ أنها في الحقيقة ليست شيئا في أصله. وإنما نفخ فيها وفي من تولى كبرها أبناءُ الأمة المندفعون فصنعوا منهم أبطالا. ونفخوا في نارهم فشبتْ على ما يريد هؤلاء ونحن غافلون. ودونك تلك الأفلام “المسيئة” والتصريحات التي تنبئ عن جهل بعض المتجرئين على الأمة، أ ترى أنها كانت ستكون شيئا لو لم يلتفت إليها أحد؟؟ أ ترى سيكسب مَنْ وراءها هذه الشهرة الزائفة التي أكسبناهم بجهلنا واندفاعنا؟؟ لا والله، ما يصنع بنا الأعداء أكثر مما يصنع بنا الاندفاع وراء ما يريد الساعون لمحو آثار هذه الأمة العظيمة من الوجود !!

والناظر في حقيقة الأمة اليوم يجد أنها في زمن لا تنتج فيه غير النقد والانتقاد. وليست لها صنعة غير الطعن في كل ما يأتيها من خارج حدودها، ظنا من الذين يتولون النقد أن ذلك يدفع عنهم وعن الأمة خطر العولمة وخطر العدو المحدق، ولكن هذا الأمر لا يزيد على أن يكون حملة إعلامية لما هم منتقدوه، ثم لا يكون له من بعد ذلك أثر إلا قليلا، ف”شُخْبٌ في الإناءِ وشُخْبٌ في الأرضِ” كما يقول المثل.

فما أتت به العولمة مما يفسد شبابَ الأمة ويهلكهم ويضعف فيهم الغيرة والحمية، لا يمكن صده بالطعن فيه فقط، فإن الشباب لا يقنعهم إلا أن تأتيهم بما تطيب به نفوسهم وترتاح له تماما كما يجذبها إليه هذا المنتوج غير الشرعي. فلا يكون للطعن معنى ما دام غير ذي أثر. فالانتقاد وحده لا يقدم شيئا ولا يصرف ضررا، فإنه إلا يكن دعاية للشر فإنه لا يدفعه.

فإذا أتانا مبتدع بما لا أصل له في أمتنا ولا فصل مِنْ سُوءِ أخلاقٍ، وتجرئٍ على المحرم، وتجاوزٍ لكل الحدود، لم يكن من هؤلاء إلا أن يردوا عليه يسفهون رأيه، ويدفعون بالكلام فكرةً هو أثبتها بلذتها في عقول لا تميز الفرق بين الحسن والقبيح، فهي مستقرة فيها، لا تتزعزع إلا أن يدفعها شيء أكبر مما أقرها في تلك العقول. وقس على ذلك.

ولا شيء يخرجنا من هذه الحالة إلا أن ننتقل من ردة الفعل إلى الفعل، فلا يكون من شأننا أن ننتقد كل شيء فاسد، أو كل شيء يخالفنا ويخالف أصول الأمة، ويخالف عاداتنا وتقاليدنا وأخلاقنا وثقافتنا، بل علينا أن نقدم بديلا عن كل شيء نرفضه، يكون قويا بما يكفي ليلفت انتباه هؤلاء الذين غرهم هذا الشيء الفاسد المفسد، وكلما قوي هذا الفعل آتى أكلَه. فلم يعد اليوم جائزا أن نهاجم الأدب السافل، فيكفيه من وصفه أن يكون سافلا، ولم يعد مسموحا لنا أن ننتقد الفن الوضيع في نظرنا لنسقطه، فوضاعته لا تدع لامرئ أن يلوث أوراقه بذكره، وما يكون السعي لإسقاط هذا الفساد المدمر، وهذا الإبداع الحيواني السافل بالطعن فيه إلا إعلانا عنه لمن لم يره بعد، ولا يكون تشهيرا به يحذر الناس منه. ولكن وجب أن نسقط هذا الذي نراه فسادا بعمل يصرف عنه الناس، ويدفعه عنهم، فإنه متى رأوا عملا عظيما نظيفا لم يكن لهم بد من الاهتمام به تماما كما اهتموا من قبل بأمر الآخر. ولا يكون العمل عملا حتى يلفت الناس إليه، ولا يلفتهم حتى يكون له من الإبداع والإمتاع نصيب وافر، ومن الحلاوة والطلاوة مما يجذب إليه القلوب والعقول الشيء الكثير. وهذا ما تفتقده الكثير من أعمالنا التي نقدمها للناس على أنها بديل للغناء الفاسد أو الفن الساقط أو الأدب السافل. فمناط الأمر كله أن نحسن تقديم الإبداع كما يحسن المفسدون تقديمه، ونجتهد في تنميقه كما يجتهدون، ونشقى في سبيل أن يصل كما هو كما يشقون، ونكابد في سبيل أن يقع منهم موقعا حسنا كما يكابدون.

هذا وجهٌ في ردة الفعل، أما الوجه الداخليُّ الذي ينخر جسد الأمة من داخله كما تدمرُه الأولى من الخارج ففي هذه الاتهامات التي ترى الجماعات والأحزاب يرمي بعضها بها بعضا، وتطالعنا بها الأخبار كل يوم فيفرح بها قوم يريدون الفتنة، ويضيع قوم مندفعون للدفاع عن الأمة وقتا ثمينا في الرد على سهام إخوانهم في الدين والوطن. ولهذا أسباب ليس هنا محل ذكرها. (وقد شرحنا هذه الأشياء في كتابنا المطبوع في بيروت: “سحر الأدب … الأدب مدخلا إلى النهضة”).

فإذا نظرتَ في هذه الأزمات التي تمر بالأمة يوما، فلا بدَّ أن تجدَ لها بهذا الذي ذكرتُ صلة وسببا. ولو وقفتُ أعدِّدُ ما كفى وقت ولا مكان ليحصى هذا، ولكنها إشارات خاطفة إذا فُهمت أمكن أن يبنى عليها كل ما يتعلق بها. ويكفي أن تكشف عن العقل غشاوةَ الفساد المستبد في حياتنا الأدبية اليوم، وتبني الأشياء على أصولها الصحيحة بناء أساسه العلم والمنطق، ثم تدعه هو يكتشف زيفها من صحيحها بنفسه، دون أن تكره أحدا على شيء. وعلى هذا بُنيَ الإيمانُ.

وهذه الأزمات واحدة من اثنتين: آثار معارك قديمة وبذور زرعتْ منذُ زمن، فنحن نحصد نتائجها الآن. وهذه تحاربُ بالعقل لتنتهي. ومعارك مفتعلة الآن لتعطي نتائجها غدا، وهذه التي كنتُ أعني من قبلُ. فمنها ما يجب أن يواجه بالتجاهل، ومنها ما وجب أن يُردَّ عليه بالعقل ويواجه بالحزم لا الاندفاع وحده حتى لا ينفلت زمام الأمر منا فنقعَ في مزالقها كما وقعنا في مزالقَ من قبل هذا كثيرةٍ. والأهم في هذا: أن الاندفاع لا يدفعُ مَكروها، ولا يُحِقُّ حقا أو يبطل باطلا، وإنما يصنع لمن تحارب هالةً لا يستحقها، ويحيطه بقوم يتعاطفون معه إن جهلا وإن جهادا في سبيل نصرة كل ما يهدم كيان الأمة، فتكثر من أعدائك، وتشكك مَن حولك حين تخطئ في صدقِ ما تقوله، بل ربما مال عنك إلى من تعادي, وتنَفِّر الناس من حقيقة دعوتك في الوقت الذي تظن أنك فيه على الطريق المستقيم. وأغلبُ أهلنا غفر الله لهم ممن لا يجيدون إلا السباب ينقلبون من معاركهم تلك كما عاد من قال: “أَوْسَعْتُهُمْ سَبا وأَوْدَواْ بالإِبِل”.

ثم إن المعركة بين الحق والباطل معركة بين الأفكار وليست بين أشخاص بأعيانهم، ويجب أن ندفع في كل معركة الأُسُسَ التي تحرك تلك العقول، وليس أن نذهب كل مذهب في السباب والشتم، لأن الذين نحاربهم ربما وقعوا في شباك تلك الأفكار المدمرة جهلا منهم أو تهاونا أو تغريرا بهم، فإن كان هذا؛ فلا يجوز أن نظلمهم كما ظلمهم من أوقعهم. ومتى واجهنا الفكرة التي نحاربُ بالعلم والعقل والبرهان والدليل، فإنها متى سقطت سقط معها كل بناء بُنيَ عليها. أما حين تهزِم من يُمَثل ذلك الفكر وحده، فأنت تعَلِّم من سيحاربك بعده مِنْ أصحابه كي لا يقع في الأخطاء التي وقع فيها صاحبه. فلتكن المعركة إذن على طريقها الصحيح حتى تثمر.

عن مهدي جابر

طالب جامعيّ - كاتب ومحرر بشبكة طلّاب.

شاهد أيضاً

الاسد ومزحته “المفاجئة” عن جائزة نوبل للسلام

ربما لم يكن الرئيس بشار الاسد يمزح عندما قال انه يستحق جائزة “نوبل” للسلام اكثر …