هموم الطلاب

مهنة التعليم اليوم والأمس

ين يدي ذكرى معلمي الأول الأستاذ المرحوم عبدالرحمن ألمجالي

عندما ألزم نفسي بالكتابة في شيء، وما لم يكن الموضوع حاضرا في ذهني قبل ذلك، فإنني أصطدم بصعوبة الإقلاع مع نفسي فلا أفلح، وكثيرا ما أحاول معاودة التحليق، لكنني أجد نفسي كمن يدور في دائرة من الضباب ويخوض في سماء كثيرة التقلب والاضطراب.
لا أُحسن الكتابة عن نفسي كما لا أملك التعبير عنها تعبيرا رزينا وإن كل ما يأتي عفو الخاطر يأتي مفتقرا للنضج ولو أن عفو الخاطر خير من استكراه الفكرة.
الجغرافيا- بلدة المزار الجنوبي والزمان مباشرة بعد النكبة وضياع باقي فلسطين ودرة المدن القدس الشريف، مباشرة بعد الهزيمة – هزيمة حزيران وحرب الأيام الخمسة- التي جعلناها ستة تيمنا برؤوس نجمة داود كمثلثين متعاكسين في حالة اضطجاع وسفاد دائم يجثوا على صدور الأمة المهزومة.
ما زلنا وقد كنا وفُتحت أعيننا في جو من الهزيمة، ذلك هو جيلنا فاعذروني أنني أُطلق على جيلي اسم الهزيمة، رغم أننا لم نصنعها ولكننا أسهمنا فيما بعد في ترسيخ واقعها والقبول بها، كنا أول جيل يدخل الصف الأول ابتدائي مع أول دفعة من ضيوف البلدة من اللاجئين الفلسطينيين فألتم البؤس على اللجوء وألتم شمل الحزن على الضياع ، في ثياب مهلهلة رثة ووجوه بائسة كأنما مستوحاة من إحدى أقاصيص معسكرات الاعتقال، القول أن حالتنا كانت سيئة لا يعبر عن الواقع، كنا أنصاف بشر قذفت بهم الحياة خارج نطاقها، لم نكن من داخل الحياة بقدر ما كنا من ضحاياها.
في ربيع ذلك العام قدم إلينا معلم جديد قدم نفسه وقال أنا معلمكم في الحساب الأستاذ حسين(…) أرعد وتوعد ووعدنا بالحساب ويوم الحساب والعذاب، كان أزعر أقصر من الربعة، متورم متكرش منتفخ الوجه والبطن، جلس على الكرسي الخشبي أمام الصف في أحدى أقبية المدرسة وانتقى مجموعة من الطلاب أخاله انتقاهم من ميسوري الحال، وقد اختلط عليه الأمر فخانته فرسته وحار حدسه وظنه، فحسبني معهم فأسند لهم واجبا وظيفيا كما يُسند لوطني الآن : أنت يا فلان غدا تأتيني بقطرميز سمن بلدي وأنت بزيت زيتون وزيتون بلدي، وأنت تأتي بالجميد والبيض ولم يكن عندنا في البيت من هذا كله، عندنا الشاي والسكر والخبز وأحيانا حينما تجود دجاجات العجوز بعضا من بيض، وغيضا على غيض نفتدي بها كراسا أو دفترا أو قلما ذلك أن النقد والفلوس لم تكن تعني لنا شيئا، فالبيع والصفق في الأسواق مقايضة، والدفتر والقرطاس والقلم بالبيضة.
بالإضافة إلى البؤس فلقد ورثت اليتم كابرا عن كابر، وتصميميا ما كنت خُلقت لأكون طالب علم وإنما مشروع متشرد صغير جواب آفاق وعنواني الكبير هو الضياع، فأنى لي بالزبد أو الجميد أو الحليب لهذا الأستاذ الجديد ألجشع، المنفي إلينا ربما بسبب سلوكه العفن أو المنقول تأديبيا إلى أطراف الوطن؟!.
في تلك الليلة أستنفذ القلق كل ما هو إنساني في داخلي، وكنت الصبي الذي ذهب الخوف بصوابه، اضطجعت غير أن ألنوم جافاني، فما اغتمضت عيناي بل بقيت مستلقيا طوال الليل أتابع خرائط ورسومات متحركة وهمية متخيلة بدائية على السقف المظلم ومتخيلا ماذا سيحل بي بسبب ذلك الأستاذ الجديد التعيس الذي خلته لا يشبع ولا يقنع!.
وأخيرا وتحت السقف البائس، وليس تحت شجرة نيوتن، وجدتها وجدتها مع باكورة الصبح، ومع طلوع الشمس المبشر بصباح جديد، فلقد انسليت من المنام خلسة وذهبت إلى حاكورة جدتي وقطفت كمية وليست ضمة من النعنع ووضعتها في كيس الكتب كهدية ثمينة، وأول رشوة في حياتي وآخرها للمعلم العفن وغيره من الأشرار كي أكتفي شره.
كنت فرحا بما توصلت له من حل لمشكلتي وإن الله لا يحب الفرحين، فما أن عرف الصبية والأستاذ بهديتي حتى صاحوا في وجهي نعنع؟ شو ناقصني نعنع؟ شو بتفكر حالك جايب الديب من ديله- (طبعا بالدال وليس بالذال)؟ وكانت علقة معلم عفن يؤدب صبي ضعيف مسكين، وأذكر أنني كنت أتقي بكيس الكتب تارة وتارة أُخرج من الكيس كسرة خبزي التي بين الكتب كوجبة أثناء الاستراحة لأعرضها على اللئيم زيادة على النعنع كي يعفوا عني ويمنحني السلام ولكنه أبى فما أصعب من حاجة الكريم عند اللئيم؟! وكانت أول دروس الحياة في المدرسة وما زلت أكره ألنعنع.
ألدرس الثاني من معلمي الأول حينما علم بالأمر، وقد كان مربيا لصفي وقد ذكرت تلك الحادثة لأن الشيء بالشيء يُقارن، وضدان أذا استجمعا حسنا والضد يبرز حسنه الضد، فكان ما كان من الأستاذ المرحوم عبدالرحن ألمجالي أبو حازم مربي الصف إذ استدعانا إلى غرفة المكتبة، وفيها نالنا ما نالنا من عقاب على ما اقترفت أيدينا من ذنب الرشوة، وقد أوغل في عقابنا ولم يترك لي مجالا لأشرح له الذي حصل، أو أن أريه مكان السياط، وورم الأرجل والأيدي، فنلت تكرارا للعذاب حتى تأكد أن أي منا لن يُقدم رشوة في حياته وحتى لو حزوا له عنقه فأطلق سراحنا.
لقد تخيلت أو سمعت في حينها أنه حينما سمع بالأمر استشاط غضبا وكان خناق بينه وبين المعلم الجديد ضجت له المدرسة، وما أكد لي الخبر أن الأستاذ الجديد تركنا بعد فترة وجيزة ولم أعد أرى وجهه، فربما ذهب إلى غير رجعة.
المهم في ذلك اليوم أنه وحينما أقفلنا عائدين من المدرسة وكنت بطيئا في سيري بسبب الكدمات والأوجاع، لحق بي وبعض رفاقه المعلمين وقد روي وتروى ما حل بتلميذه النجيب في الأولى والثانية وراح يسترضيني ببعض حبات الحلوى وينشد السماح ويمسح على رأسي اليتيم فشعرت انه يتعذب وينشد المغفرة، لكن ليس في مستطاعك أن تحرق اللوعة إذا مست شغاف قلبك.
ليس من المؤكد أن الشمس التي تنيرنا في صباحات تشرين الباردة هي التي ستنيرنا في صباحات كانون القادم، طبيعي أن الشمس هي هي وحتى يرث الله كونه ولكننا على الأرض نتغير.
ليس الخلود دوما هو محرك أفعالنا على الأرض وطوال العمر نهرول خلف أمل مؤجل بحيث يدهمنا الموت قبل أن نتقيأ ظلاله ودونما نمسك بلحظة سعادة هاربة، لكن خلود الفكرة أو الذكرى تكون أحيانا قدرا مُحتم فكم من شخوص غابوا ولكنهم بقوا مع من بقوا بذكراهم ويسكنون في حنايا قلوبهم.
هنالك اشخاص فريدون في روعتهم يلجون مرحلة البرزخ فينقطع الزمان وتتنفس الأبدية التي نحصل منها على الزهد الذي يتيح انبعاث الخلود فينا لحظة بلحظة، لحظات متحررة من إسار العقل والإرادة ، منفلتة من رباط الزمان ، لا يعرف الإنسان فيها سوى المحبة.
ولكن ما مدى تحمل الإنسان فراق من يحب ؟ ما مدى قدرة الإنسان على التكيف وربما النسيان؟ هنا ينشب القلق، وهنا يبرز الفرق بين نفس وأخرى!.
تفاصيل كثيرة قد أُطيل إذا استحضرت من ذاكرتي عن المرحوم الأستاذ أبو حازم ولكن هو القدر أن جعل المزار محطة لكل الغير مرغوب بهم أمنيا، منفيين بأسلوب أو بآخر، مبعدين بقرار واضح أو غير واضح، إنهم في مجملهم سياسيين ومناضلين جاءوا من مختلف مناطق الأردن بنفس الأسلوب ومن فلسطين ليس إلا أنهم كانوا أصحاب وجهات نظر فكانت المزار وكان أبناء المزار ليسوا بلا وجهة نظر.
ليس الكاتب العظيم الفذ الأستاذ عمر العناني وليس شهيد فلسطين الكبير ماجد أبو شرار وليس عبدالرحمن المجالي إلا زملاء، القاسم المشترك بينهم جميعا هو مهنة التعليم والمدرسة مدرسة المزار للبنين، وقلما كان هنالك نماذج أخرى كأستاذ الحساب والعذاب حسين (…)!…لقد كانوا قد استحقوا بجدارة أسم مُعلم.
كنت قد قرأت قصة الكاتب السوفيتي جنكيز إيتماتوف الرائعة (المعلم الأول) ولكن هذه النماذج أمثال أبو حازم وزملائه وإخوانه ورفاقه يتفوقون على المعلم الأول…يتفوقون على نقابة المعلمين الحالية ونقيبها الرفيق الذي أحترم ، فليس لهم العذر في ترك الوطن يئن أنين المحتضر وهم بعد زيادات رواتبهم يلتفتون للتوقيت الصيفي والشتوي وكأن النصف ساعة -الفرق- باتت من عمر امتنا من الأهمية من ضياع قضايا كبرى وقضم أوطان…إنها العدمية الطاغية على المرحلة لأن الأيام بلا أمل.
أن التضحية الإرادية المتألقة المقترنة بالوعي، الخالية من الإكراه المتفانية في سبيل المجموع هي الشخصية المُحققة لأقصى درجات النمو والتفوق والسيطرة على الذات في حرية الاختيار ولا يمكنها أن تقتصر فعلها لذاتها أو أن تبقى خائفة على حالها في الحين أنها تبقى آملة في أن يبلغ الغير مرتبة الحرية والسعادة التي بلغتها هي، فهل بين معلمينا نقابيين وغير نقابين من يستطيع أن يسد الثلمة التي تكونت بسبب رحيل الأستاذ أبو حازم ورفاقه وزملائه الأوائل عنا؟.
لقد أطلت ولولا عصىا القارئ الملول لما انهيت، وحتى لو انتهيت وعزائي وعزائكم أن من يمل القراءة طويلا فما عليه إلا أن يقلب الصفحة ويذهب إلى حيث شاء فله مطلق الحرية.
علمي اليقيني أن خير ما قل ودل، ولكن المناسبة 17/10 ذكرى رحيل المرحوم الأستاذ عبدالرحن المجالي قد أزفت وليس هنالك متسعا من الوقت لأختصر واجد نفسي مثقل بكثرة التعديلات التي علي أن أدخلها على النصوص السابقة فما كنت أفرغ من إحداها حتى يحضرني للتو ما غفلت عن ذكره وما مَنَّيّت النفس بقوله.
لكي تكتب هذه العجالة بطريقة ملائمة ترضي الجميع عليك أن تخون فكرك وتبسطه بعض الشيء فوق ما يحتمل، وتدفع قناعاتك إلى ابعد ما تحتمل وما ينتشلني من هذا العجز، هو الأمل المألوف في أن يمدني الله يوما بالقدرة والإلهام الكافيين وأن أصل إلى مستوى من ألتعبير أكثر اكتمالا وأن أقوى باختصار على عرض ما يضج به قلبي وتزخر به مخيلتي.
لقد علمنا الأستاذ المرحوم أبو حازم وزملائه انه من العيب الوقوع في هوة اليأس أما الحياة فيمكن تعديلها ولكن دونما امتلاك ناصية العلم ،دونما ألتسلح بالمعرفة فهذا مستحيل، كان متفانيا فيما يقدم جزلا في عطائه ومما كان يجزل به علينا حبه،… كان حب يحمل في ثناياه إضافة إلى ألعطف ألطاغي، الشفقة والحنان ، كما يقترن بحاجة إلى تفان ما وبنزوع طبيعي إلى تحمل الأعباء وعدم التراجع أمام أية مسؤولية،كان دائما ما يظهر جليا أية رقة هي تلك التي تعمر حنايا النفس الموجعة، كان منظومة متكاملة في بعث روح الإنسان وقوة الشخصية، كان ثمة نزوع فطري إلى الشفقة هذا النزوع الممتد ليشمل كل بؤر البؤس الطفولي وما أكثرها وأوسعها في بلدة المزار، يمنحك كل شعور بالتآزر البشري رغم أننا كنا أشقياء فكلما ازداد شقائنا ازداد تعلق أحدنا بالآخر.
تحاصرنا سويداء غريبة ونغرق في القنوط ونحيا لحظات لا تنفع معها المواساة ويبقى ثمة ما نحيا من أجله،لحظات استذكار نستعيض بها عن الغائبين، وغالبا ما يقوم الوجدان بدور الوسيط ما بين الفكرة والحدث، فالفكرة محض اقتداء مقترح، وكأني بالمرحوم ورفاقه الأوائل يرفعون السبابة والشاهد ليقولوا للمعلمين، للنقيب، للنقابة، لوزارة التربية والتعليم العالي، لكل من يمتهن مهنة التعليم مدرسي أم جامعي : من المستحيل على المرء اجتراح مأثرة وفي نفس الوقت العيش لنفسه، لسعادته الشخصية، إنها لوظيفة استثنائية فائقة أن تكون إنسانا على الأرض.
لا يمكن لمقالة ومهما طالت في عنوان المرحوم، أن تفيه حقه ولكن محاولة لتعزية النفس وإسقاطات بحجم العنوان على ما آلت إليه أمورنا ووصلت إليه حالنا، وليس أحسن خاتمة من القول أن معلمي الثاني كان مكسيم غوركي والثالث عطفا على ما سبق القائل: حين تروي دموعك الأرض، حين تستدر دموعك بنفسك، تتلاشى كآبتك في الحال وتجد نفسك العزاء كله *******- المسكونون- فيودور دوستيفسكي.
رحم الله أستاذي أبو حازم الفاضل ووهب روحه السلام والطمأنينة.

د.م حكمت القطاونه

Loading...
الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق