عندي حكي كثير

لا تحلم هذا المساء | علي عكور

مثلما يَغمرُ الربيعُ الأرض , جاءني بوَجه تَغمرهُ الفرحَة . اقتربَ مني ليُخبِرني أنه حلُمَ بأبي ليلَة البارحَة . أنا أيضًا كنتُ أحْلُمُ بأبي عندما كنتُ في عُمره و سذاجَته . و عندما أستيقظ أكونُ غاضبًا لأن الحلمَ انتهى سريعًا , مهما طالَ كنتُ أشعرُ أنه انتهى قبلَ أوانه دونَ أن أفطن أن الأحلامَ لئيمَة كالأوجاعِ , لا تَنتَهي عند حدّ بلْ تتناسَلُ كما تتناسل الأحقاد . في الليلَة التاليَة أنامُ مبكّرًا ظنًّا منّي أنني سأكملُ الحلمَ من حيثُ انتهى !! حتّى الأحلام تمارسُ الغوايَة , تُغوينا ثم تستَمتعُ بِمُطاردتنا لها . حالما نَقتربُ من لَثمِها تُشيحُ بوجوهها عنّا , و إذا اعترانا اليأسُ و قرّرنا الانسِحاب اقتربت منّا لنَشعُرَ بأنفاسِها على صَفحَة وجوهِنا المُجْدبَة . و لِسَذاجتنا لم نسألْ أنفسنا يومًا : كيفَ سَنقبضُ عليْها و نَحنُ نطاردُها بعكّازينِ خَشبيّيْن ؟

يَصغرني بخمسَة عشَر عامًا , و بأوجاعٍ كثيرَة . مَرّرتُ يدي على شَعره
الناعمِ كأحلامه , و سألتُه :
– كيفَ رأيتَ أبي ؟
– رأيْته يحملُ حقائبَه الكبيرَة .

كنتُ أودّ سماعَ إجابَةٍ لا حقائبَ فيها . ما إن سمعتُ لفظةَ الحقائب حتى هبطتْ على رأسي ذكرى حقائبِ أبي , هَبَطتْ هبوطًا اضطراريًّا في أجواءٍ مُلبّدةٍ بالحزن . كانتْ حَقائِبُه مُرهَقَة و مُمْتلئة دائِمًا . و كنتُ أكرَهُها لأنها تَنْعمُ بلَمسَته الحانيَة أكثَرَ مني . أراقِبُه و هوَ يَفتَحها بِرِفق , أراقِبُه منْ بعيد . يَملؤها و يُرتبها , و أنا القابِعُ في ركنٍ ركين لا أحدَ يَملَؤني أو يُرتبني ! وحدي , فارغٌ إلا من فوضاي !! سرَقتها مرّة و اشترى غيرَها . كانت فكرة سرقَة الحقيبَة فكرة ساذجة , تشبهُ تفكيري حينها . تمضي الأيام و يتضخّم عقلي لأدرك جيدًا أن الحقيبَة كانت في رأسه لا تحتَ سريره , و أنني بحاجة إلى سرقة تلك التي في رأسه !!

رفعتُ نظري فرأيتُ النافذة التي كنتُ أفتحها و أراقبُ منها مجيء أبي من سفره . هكذا كانوا يقولون لنا كلما سألنا عنه . يقولون : ” مسافر ” و لمْ يكُنْ يخطر ببالنا أنّ الكبارَ يضلّون طريقَ العودَة , تمامًا كالصغار !! أمي أيضا كانت تعرفُ هذا الشيء . لذلكَ تقول لي كلّما فتحتُ النافذة : ” نحنُ في الجنوب , و الجنوبُ بعيد و الحافلاتُ لا تأتي إليه كثيرًا ” كانت الحافلاتُ تحرجُ أمي , عندما تأتي و لا يأتي أبي !! مازالَ طاهرًا كورَقةٍ بيضاء أخشى أن تُنْهِكَها الأخطاء المطبعيّة . أخشى عليه من الأحلام . أخافُ أنْ يُسرفَ في تَعاطيها و تَجاوُزِ الجُرعةِ المَسْموحِ بها !!! الأحلامُ و إنْ بدَتْ جميلَة إلا أنّها تحترقُ و تقتلُ أصحابَها اختناقًا بدخانها .

انسلّ بخفّة من بينِ يديّ . غابَ لدقيقَة ثمّ عاد ببطاقةِ دعوةٍ لحضور مجلسِ الآباء ليذكّرني بالموعد . غدًا سيُقام في المدرسَة حفلٌ للطلاب بحضور آبائهم , و لهذا هو ممتلئٌ بالحبور . و عليّ أن أمثّلَ دورَ الأب و لهذا أنا ممتلئٌ بمزيجٍ من القلقِ و الحزن . في العام الماضي كانَ مستمتعًا بالحفل , لمْ يكنْ يعنيه كثيرًا أن الآخرينَ حضروا بصحبة آبائهم بينما حضرَ هو بصحبة أخيه . لم يُفسد الحفل سوى تذكيرِ زملائه له بعدمِ مجيء أبيه . صاحبُ الطرفِ الصناعيّ , يستمتعُ بمشاهدة العدائينَ يركضونَ في المضمار و لا يسأل نفسه لماذا لستُ مثلَهم , لقد سألَ نفسه ذاتَ السؤال و وجدَ إجابَةً مُقنعة و تصالحَ مع آلامه , لكنّه ينزعجُ كثيرًا و يتألم لو سألَه الجالسُ عن يمينه في المدرج : ” هل جرّبتَ سباقَ الماراثون ؟ إنه ممتعٌ للغايَة ” نبذلُ جهدًا كبيرًا لرميِ آلامنا في مربّعٍ بعيدٍ في الذاكرَة , لكنْ , هناكَ دائمًا من يُعيدها للمربّع الأول . كانوا يسألونه في ذروةِ انشغالِه بالضحك و اللعب , فيقول إجابته المعتادة و الباردَة كالأسماك المثلّجة : ” إنه مسافر ” ثمّ لا يحدثُ شيء سوى أنّ الحفلَ ينتهي بالنسبَة إليه . دائمًا نسألُ عن الأشياء التي نملكُها و يفقدها الآخرون . نسألُ لنشعرَ بتفرّدنا بامتلاكها . أما تلك التي لا نملكها فإننا لا نسألُ عنها , و لهذا لمْ يكنْ مصطفى يسأل ؛ لأنّ أباهُ هو الآخرُ كان مُسافرًا , و الحافلاتُ لا تأتي إلى الجنوبِ كثيرًا , و نوافذ بيتهم مفتوحَة على الأرجح !!

في البطاقَة من الداخل بيانٌ بفقرات الحفل :
كلمة عن الأب , قصيدة عن الأب , أنشودة عن الأب , مسرحيّة عن الأب .
لا أدري كيفَ أقنعه أنْ لا شيْء منْ فقرات الحفل يَخصّه . هذه الفقرات أعِدّتْ للأطفال مكتملي الأعضاء و النموّ . و حضوره ـ لو كانَ يفهم ـ خطرٌ على صحته . غابَ مرّةً أخرى و أنا تلوكني أفكاري و هواجسي . فكّرتُ أنْ أثنيه عن الحضور , و فكّرتُ أخرى أن أدفعَهُ إليهِ دفعًا ليكتَسبَ مناعَةً ضد فيروسِ الألم . مريضُ النيكوتين ليسَ بالضرورَة أن يموتَ بسيجارَة , بل قد يموتُ بخطأٍ طبيّ . عادَ و بيده ورقَةٌ مُهتَرئة كأيامه , مُهترئَةٌ من كثر فتحها و طيّها , فَتحَها و أمطارُ الفَرحُ تَغسِلُ أرصِفَةَ وجهِهِ البريْء ,
و قال : ” هذه أنشودَة عن أبي , سأنشدُها في الحفل و سيصفّقون لي ” .. و أردف : ” و زملائي أيضًا سيُنْشدون ” .. و رغبْتُ أنْ أكملَ : ” نعم , سينشدُ كلّ واحدٍ منْهم , و سيَجد في كلّ مرّةٍ يُنْشِدُ فيها كفّيْنِ تُصفّقانِ بحرارَة أكثر منْ باقي الأكفّ , و أذنيْنِ مُرهَفَتينِ أكثرَ من باقي الآذان , و عينيْنِ تُحدّقانِ بفرَحٍ أكثرَ منْ باقي الأعيُن , و شفتيْن مُنْفرجتَيْن عن ابْتسامَة أكثر صدقًا من باقي الابتِسامات , .. أما أنتَ فسَتَمتطي ظهر المسْرح و ستُنشدُ و ستَجِدُ كلّ الأعيُنِ و الآذانِ و الابتساماتِ متشابِهَهٌ كتشابُهِ أزياء الجنودِ في عروضِهم العسكريّة !!! ” 

سألتُه :
– لمنْ سَتُلقيها ؟؟
– للحضور .
– و لكنّ زملاءكَ ـ حينَ يُنْشدونَ أناشيدَهم ـ لا يُلقونَها للحضور !!

لمْ يَفهم شيئًا مما قلت , و هذا شيءٌ جيّد . الفَهمُ في مثلِ هذهِ المواقف مُضرّ , مثلما يضرّ أخذُ جرعَةٍ زائدَةٍ من الدواء . في المساء و قبلَ أنْ يَنامَ جاءتْ أمي لتحكي له قصَّة كما اعتادتْ أنْ تفعلَ . اقتَرَبَتْ منْه , و دخلَتْ مَعَهُ تَحتَ بطانيّته لِتُشعرَه بالدفء . ضمّتْهُ بجِفنيْها قبلَ ذراعيْها , نظرَ إليْها و قال بهدوء و فرح : ” أمي , البارِحَة حَلُمْتُ بأبي :
” وضعتْ أمي القصَّة جانبًا , و لقّنَتْهُ تعويذَة ما قبل النّوم !!! .

Loading...
الوسوم
Loading...

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق