الرئيسية / المقهى الثقافي / مقالات / عن الناس والعيد..! – علاء الدين ابو زينة

عن الناس والعيد..! – علاء الدين ابو زينة

كأنَّ العلاقة تغيّرت بين الناس والعيد؟! هم أصبحوا يراقبون قدومه مرتبكين متحسّبين، وهو يقف على أبوابهم مُحرجاً، مثل ضيف آخر الليل الذي يعرف أنه سيُثقِلُ على مضيفيه ضيقي البيوت والأحوال. كان العيد قديماً عابر سبيل خفيف الظل قليل المطالب، يمرّ ويشرب قهوته في كل البيوت بلا شروط. لم يكن يختار زيارة الموسرين ويعفّ عن بيوت الفقراء، ولم يهمه أن يستقبله أصحاب البيت بمأدبة أميرية وملابس إمبراطورية، أو بحلوى منزليّة بسيطة وهيئة فلاحيّة. لكنه تعقد
– أو أننّا عقّدناه- فصار متكلَّفاً وانتقائيا وبالغ المدنيّة.
عيد الصغار هو الملابس الجديدة والألعاب. وكم أصبح صعباً شراء عيد الصغار في هذه الأوقات! لم تعد الملابس هي الملابس، ولا الألعاب هي الألعاب. الآن، يتحدّث النّاس –بعيد وبغير عيد- عن تحليق أسعار الملابس الهاربة إلى فوق مثل الطيور المهاجرة. ويتخيل المرء جموعاً تركض وتقفز على أطراف أصابعها لتلتقط من الهواء ما يستُر ويدفئ. ولم نكن نسمع أنّ الملابس، حتّى الملابس، تصبح كماليات غاليةٍ الأثمان يُحسبُ لها كثير حساب. كان باعة بسطات الملابس المستعملة (الأوروبية) يهتفون بالمارة قبل العيد: “إللي مالُو بالِه مالو عيد”. حتى “البالة” أصبحت الآن عزيزةً وترفاً، فمِن أين العيد؟! أمّا الألعاب، فميزانياتٌ وحدها. قديماً: كُنا نعُدّ ألعاب العيد على أصابع اليدين: البلالين، المراجيح، لعبة الثلاثة عصافير، المسدسات والبنادق البلاستيكية البسيطة، وعرائس البنات. لكنّ ألعاب اليوم أصبحت تدير الرأس بتنوعها، وكلها إلكترونية تدار بالتحكُّم عن بعد، وأثمانها في عُلب العرائس.
وهدايا العيد. معظَم الناس كانوا يتهادون في العيد نوعَين معروفَين من الحلوى: شوكولاته “سيلفانا” وحلوى “ناشد إخوان” –نقطة. وهي هدايا قابلة للتدوير: يُهدونك العلب الملفوفة، فتحملها بلفتها كما هي وتهديها لآخرين. وكثيراً ما صادف أن يقرر أحد إزالة الغلاف عن العلبة، ليجد تاريخ صلاحيتها منتهياً منذ سنوات. أما حلوى الضيافة، فالكعك والمعمول المصنّع منزليّاً في طقوس أصبحت نادرة. الآن، يمرّ زائر العيد بمحل ليأخذ شيئاً في يده لمضيفه، يتأمل الخيارات والأثمان، ويعد البيوت التي سيزورها ويحسب “العيديات”، ويتفقد نقوده، ويَعرَق. الآن يتقوّلُ الناسُ ويقارنون: هذا جلبَ كذا وذاكَ عيَّد بكذا. وبدل أن تكون هدايا العيد وعيدياته سبباً للرضا وتسخين العاطفة، أصبحت أحياناً مجلبة للانتقاد والحرج وتكدير العلاقات. وبدَل أن يتأمل كلُّ واحدٍ حالَه فيعذرَ صاحبَه، “يتفشش” الجميع في الجميع! وحتّى فكرة زيارات العيد أصبحت مفتعلة. لا يتزاور الناس كلّ السنة، ثم يلتقون مجبورين كالغرباء. لا بأس في استثمار العيد فرصة للتواصل، لكنّ الناس كانوا ينتظرونه فعلاً ليغتنموا فرصة العطلة، ويزوروا بعضهم بقليل كلفة، وبقلب مفتوح. هل تغيّر ذلك أم أنني أتخيل؟!
الأضاحي ونحر “ذي القرنين” لَم تكن أيضاً مطلباً حتميّاً شائعاً في عيد الفقراء. كانت الفكرة أن الأضحية شأنُ المقتدرين. وإذا استطاع ربّ الأسرة أن يطعم عائلته لحماً في العيد، فذلك وحده إنجازٌ كبير. لكن نشر حظائر الماشية في الأحياء قبل العيد، والحفز المفرط لارتفاع أسعار المواشي واللحوم نتيجة كثرة الطلب، واستدانة البعض على حساب حاجات أولاده ليرى الآخرون دم ذبيحة على باب بيته، أصبحت طبعاً اجتماعياً. الأصل في الأضحية أن تكون افتداء يشتري الحياة، لا أن يعقِّد الحياة. وليس واجب الفقير أن يزعم فضل إطعام الفقراء الآخرين على طريقة حاتم الطائيّ، ثم يتسّول بعد العيد. لكن كثرة المضحّين تُحرج وتستدعي التقليد. ويظن المرء أنه ليس في الأردن جوعى –الكثيرون يستطيعون تحمل كلفة إطعام الآخرين، والكثيرون يجدون من يُطعمهم.
كان العيد قديماً صديق الفقراء، لأنهم هم الذي يحتاجونه ليلوِّن أيامهم ويغيّر رتابة إيقاعهم ويسعدهم باللقاء البسيط. لكنّ الفقراء أصبحوا يضيقون بزيارة العيد –وهو يتجنب بيوتهم- لأنّ قدومه يزيدهم فقراً، وهو يزدري استقبالهم إياه على سجيتهم وبلا كثير تكلف. الآن أصبح العيد سبباً جديداً للتفكير في تكالب المطالب والمُطالبين؛ في اتفاقه على القدوم مع موسم المدارس والجامعات ورسومها؛ في خيبة الوعد بالربيع بعيد مقيم؛ في الشعور بالعزلة أمام ما فرضه الناس على أنفسهم وما يُجبى منهم من فَوق. ربما تهيئ العطلة الطويلة استراحة للمحارب؟ عطلة سعيدة!

ala.zeineh@alghad.jo