تغييب مظفر النواب | دراسة للدكتور عادل الأسطة

وطني..هل أنت بلاد الأعداء

“تغييب مظفر النواب … “

د.عادل الأسطة

كاتب عربي من فلسطين ( جامعة النجاح الوطنية )

مجلة كنعان , عدد 99 , تشرين 2\1999

لا تدعي هذه المقالة التي أتي فيها على ظاهرة تغييب النواب عن الدراسات النقدية التي تناولت الشعر العربي الحديث وبعض موضوعاته , لا تدعي الإحاطة والشمول . إنها تلقي نظرة على دراسات دارسين بارزين لهم باعٌ في دراسة حركة الشعر العربي أو دراسة بعض موضوعاته .

و تثير المقالة بعض التساؤلات حول سر هذا التغييب . و هي لا تطمح إلى أكثر من ذلك , والى لفت أنظار الدارسين إلى ما يشوب دراساتهم من اغفالٍ , بوعيٍ أو دون وعي , بحسن نيةٍ أو سوء نية , لأمر يدركونه أو لأسباب خارجة عن إرادتهم .

  كان مظفر النواب وما زال , يشكلُ ظاهرة شعرية فريدةً في الشعر العربي المعاصر , ولا أظنُ أنَّ هناكَ شاعراً آخرَ , في تاريخ الشعر العربي كله منذ امرئ القيس حتى محمود درويش  يشبه صوته ؛ صوت مظفر في فرادته واختلافه , وان تشابه صوته أحيانا و أصوات شعراء المعارضة والاحتجاج مثل ابن مفرغ الحميري وأبي الطيب المتنبي وبشار بن برد . يتشابه صوته الشعري وأصوات هؤلاء ولكنه يختلف عنهم في أنه ؛ في هجائه ؛ بلغ مدى لم يبلغه أي منهم في حدود ما اعرف , ويختلف عن بعض هؤلاء , في أنهُ – حتى الآن –  لم يمدح حاكما من الحكام . ولئن كان مظفر يستعيرُ من المتنبي مفرداته القاسية لهجاء الحكام ليهجوَ بها الحكام المعاصرين , فإنه ينميها ويزيد عليها , وفي الوقت نفسه لا يمدح هؤلاء إن وعدوه ببعض العطايا .

    والذي لا شك فيه هو أن مظفرا ليس شاعر هجاء وحسب , فأشعاره لا تخلو من قصائدٍ يتغزل فيها بالخمر , وأخرى يعبر فيها عن حبه لهذه المدينة أو تلك . وهو فوق هذا ذو خيال شعري يضاهي خيالَ كبارِ شعراءِ العربيةِ المعاصرينَ , إذ غالبا ما يلجأُ إلى التعبير من خلال الصورة , أو من خلال استعارةِ رموزٍ تاريخيةٍ لها في الواقع المعاصرِ ما يشبهها تجربة أو سلوكا , وهو في هذا يبتعدُ عن المباشرة في القول , ويُغني نصه الشعري ليصبحَ من النصوصِ الممتلئةِ التي يقفُ أمامها المرءُ طويلا ؛ ويقول فيها الشيء الكثير . و إذا ما التفتنا إلى لغته وجدنا أنفسنا أمام لغة شاعر قرأ تراثه و تأثرَ بِه وكتب بلغة على قدرٍ من الفصاحةِ حتى ليَجِدُ فيها القارئُ – غيرَ المطلعِ جيدا على التراث ؛ لغة لا تخلو من صعوبة .

   وعلى الرغم من أن مظفرا واحدٌ من أكبر شعراء العرب المعاصرين إلا أنه أكثر شاعر مغيّب في الدراسات التي تناولت الشعرَ العربي المعاصر , تماما كما أنه مغيّبٌ عن المختاراتِ الشعرية العربيةِ المعاصرةِ , ويُلاحظ الشيءُ نفسه أيضا مع كتب السير والسير الذاتية , حيثُ لم يرد – في أكثر هذه – نبذةٌ عن حياته تُعَرِفُ به .

   و يتساءلُ المرءُ عن سرِ هذا التّغَيُّب , أيعودَ مثلا إلى قسوة الشاعرِ في نصوصه على الأنظمة العربية و هجائها هجاءٌ مرا دفعها إلى تغييب نصوصه في بلدانها ؟ ونحنُ نعرفُ أن أشعار الشاعر مطبوعةً غير متوفرة في كثير من البلدان العربية , وقد صدرت في بيروت والأرض المحتلة وليبيا وباريس ولندن . وما من شك في أن الأسباب المفترضة الأخرى متعلقة في السبب المذكور . فالأكاديميون والمثقفون الذين يوجدون في هذا البلد العربي أو ذاك , لا يجرؤون عن الكتابة عن شاعر هجا الحاكم , فكتابتهم قد تكلفهم أشياءَ كثيرة ؛ أقلها المساءلة عن السبب الذي حدا بهم إلى اختيار هذا الشاعر للكتابة عنه .

   إن نظرةً على المجلات العراقية الصادرة – منذ بزغَ نجمُ هذا الشاعر , تُري كم هو مُغَيَّبٌ عنها ؛ ولكن المرء لا يفاجأ , فالنواب شاعر معارضة , وكان ينتمي إلى الحزب الشيوعي الذي كان على خلاف مع حزب البعث , ولم يكن – أي النواب – يتوانى لحظةً واحدة في هجاء الخصوم , وحزب البعث تحديدا , وهناك مقاطع عديدة في شعره يبدو فيها هجومه العنيفَ على الحزب المذكور الذي قال بالوحدة وأضاف القطرية ذيلا قبليا , بل إنه ذكر بعض القادة تصريحا , ومن لم يصرح باسمه لمح إليه بمفردات تغني عن التصريح . و لكن المرء يفاجأ حين يلقي نظرة على مجلة ” فصول المصرية ” , وبالتحديد على أعدادها التي تناولت الشعر العربي المعاصر , أو تلك التي خصصتها للرموز الشعرية العربية مثل : شوقي وحافظ وصلاح عبد الصبور , ف ” فصول ” لم تدرج أيه دراسة تختص بالنواب , والسؤال الذي يثيره الدارس هوَ : أيعودُ السبب إلى الدارسين أنفسهم أم إلى هيئة تحرير المجلة ؟ , وهل امتنعت الأخيرة عن نشر دراسات وصلت إليها أم أن أي دارس لم يخص النواب منذ عام 1980 بأية دراسة ؟ , أو أن الدارسين تبنوا رأي الشاعر مريد البرغوثي الذي قاله مؤخرا في نابلس , وهو رأي يرى في النواب ” شاعرا عابرا أو شاعر مرحلة و شاعر موضة ” ؟ .

   سوف أشير إلى بعض الدراسات التي تناولت حركة الشعر العربي المعاصر , وأتوقف أمام بعض جوانبها وأشير إلى قصائد مظفر النواب , لأوضحَ أن ما صدر عنه لا يقل قيمة عما صدر عن غيره , وأن إهماله لم يكن لقزامة مكانته الشعرية , وسوف أشير أيضا إلى بعض المختارات الشعرية وبعض المعاجم الأدبية أو الشعرية لأوضح الغبنَ الذي لحق بالشاعر .

أولا : دراسات لم يؤتَ فيها على ذكر النواب :

   الدراسة الأولى التي أرغب في الإتيان عليها هي دراسة الدكتور احسان عباس ” اتجاهات الشعر العربي المعاصر ” ( 1977 ط 1 – 1992 ط 2 – 2001 ط 3 )  . والدكتور عباس أحد أبرز دارسي الشعر العربي قديمه وحديثه , وله باع طويل في التأليف , وهذا ما لا يخفى على أي دارس . وهوَ , بالإضافة إلى قراءاته الطويلة , التقى – بحكم إقامته ؛ سابقا – في بيروت وتدريسه في الجامعة الأمريكية فيها , بالعديد من الشعراء , ولا أظن أنه فوّت على نفسه الذهاب إلى أمسيات الشعراء , حين كان هؤلاء يزورون بيروت ليلقوا قصائدهم فيها .

   وقد تشكل كتاب الدكتور عباس من : تمهيد و ثمانية فصول وملحق , ألقى في الأول نظرة تاريخية موجزة , وعالج في الثاني دلالة البواكير الأولى وتحدث في الثالث عن العوامل التي تحدد الاتجاهات الشعرية وعالج في بقية الفصول موقف الشعراء من الزمن والمدينة و التراث و الحب والمجتمع , و ضم الملحق قصائد لنازك الملائكة والسياب و البياتي و القاسم وخليل حاوي و ادونيس , و أشار في ملحقه إلى أنه ليس مختارات من الشعر المعاصر , وإنما يضم بعض القصائد التي وقف عندها , حتى يستطيعَ القارئ , أن يربط بينها وبين ما قاله عنها في متن الكتاب .

   وقد خلت الدراسة من تناول النواب أو التمثيل بشعره . فهل اكتفى عباس بثلاثة شعراء عراقيين هم البياتي والسياب والملائكة ؟ , إن قراءة الكتاب تشير إلى انه أتى على غيرهم مثل حميد سعيد , والسؤال الذي يثار هنا هوَ : لماذا لم يأت د.عباس على شعر مظفر النواب ؟ أيعودُ ذلك إلى أنه لا يرى فيه شاعرا كبيرا ؟ أم انه رأى في الإتيان على شعر النواب مجازفة خطرة , قد تسبب له – وهو الأكاديمي الذي لا يرى في ذاته عقائديا يلتزم بأيديولوجية ما تحتم عليه اتخاذ موقف حاد يترتب عليه إشكالات ما – تسبب له إشكالات عديدة ؟

   طبعا علينا أن لا نغفل اللحظة الزمنية التي أنجز فيها عباس دراسته – أي عام 1977 – ولم يكن تاريخ النواب الشعري مساويا لتاريخ أولئك الذين درسهم , فقد بدأ الثلاثة المذكورون كتابتهم الشعر , قبل أن يصبح النواب شاعرا , بعشرين عاما . ربما يكون هذا سببا , ولكن علينا في المقابل ألا ننسى أن النواب لفت الأنظار إليه منذ كتب قصيدته الأولى عام 1969 , وأنه أصبح في أوائل السبعينات الشاعر الأخطر في حركة الشعر العربي , وقد صدرت له في هذه الأثناء مجموعة ” وتريات ليلية ” , وكانت بيروت هي الحاضنة لها , فهل غابت عن الدكتور عباس ؟!

   وما ليس الشك فيه أن الموضوعات التي أتى عليها المؤلف كانت ذات حضور في أشعار النواب , وإتيان هذا على القدس وتصويرها على أنها عروس مغتصبة اشتهر أكثر من اشتهار المقطع الذي استشهد به د.عباس لحميد سعيد . وهنا نأتي على التساؤل الثاني : لعل المؤلف رأى في مقطع النواب مقطعا خطيرا والاستشهاد به يشكل مجازفة خطرة قد تمنع الكتاب الذي صدر في الكويت من رؤية النور ومن دخول أكثر البلدان العربية , وقد يترتب على هذا اشكالات تمس الدكتور عباس نفسه , فيمنع بدوره من دخول بعض الأقطار العربية . و أرى أيضا أن موقف النواب من المدينة ومن التراث برز في أشعاره , حتى عام 1977 , بروزا لافتا للنظر , بروزا يضاهي بروز الموضوعين في أشعار الشعراء الذين استشهد المؤلف بقصائدهم , إن لم يفق النواب الآخرين , في هذا الجانب . و ” قراءة في دفتر المطر ” ( 1969 ) , و “وتريات ليلية” ( 1973 ) يعدان مثالا جيدا .

   الدراسة الثانية التي تجدر إليها دراسة د.علي عشري زايد ” استدعاء الشخصيات التراثية في الشعر العربي المعاصر ” – ( 1977 ط1 – 1997 ط 2 ) و تُظهر لنا نظرة على فهرس الشعراء والقصائد المعاينة ( ص 296 – ص 307 ) غياب اسم النواب نهائيا , فلم تعاين قصائده التي نشرت في الصحف والمجلات . ولعل الدكتور زايد , حين يقرأ النواب يدرك أنه تجاوز شاعرا كان له في توظيف التراث باع طويل , وكان له منه – أي التراث – موقف يستوقف الدارس . و لا نريد أن نظلم الدارس فقد اعتمد في دراسته على نصوص صدر أكثرها قبل عام 1972 , ولم يكن اسم النواب في حينه , شائعا . غير أن ما يلفت النظر هو أن الدارس في طبعته الثانية ( 1997 ) لم يجر أي تغيير , وبالتالي فلم يذكر النواب إطلاقا . و هنا يمكن الإشارة إلى دراسة د.خالد الكركي في هذا المجال , لقد أتى في كتابه ” الرموز التراثية في الشعر العربي الحديث ” ( 1989 ) على ذكر مظفر , ولكنه لم يوضح إن كان توظيف النواب للتراث توظيفا جزئيا أو كليا , لقد كتب الكركي عن النواب في أثناء الكتابة عن استحضار الرموز التراثية الثائرة ” الأفراد الثوار ” , ومع أن المؤلف اعتمد على ديوانين للشاعر هما ” وتريات ليلية ” و ” أربع قصائد ” , وهما مجموعتان تحفلان بالرموز التراثية إلا أنه لم يورد الكثير عن هذا الجانب في أشعار النواب . و يتساءل المرء هنا عن السبب : أيعودُ إلى طبيعة دراسة المؤلف التي تأتي على هذه الظاهرة ظاهرة توظيف الرموز التراثية , بشكل عام , وأنه لم يدرس نصا واحدا دراسة تحليلية مفصلة ؟ , أم يعود السبب إلى أن الكركي أراد أن يقدم لنا دليلا على جرأته التي لم تبلغ مداها ؟ أم أنه أراد أن يقول – بطريقة غير مباشرة – إن ثمة حرية في الأردن , و ها أنا أتناول شاعرا هجا النظام في شخص رأسه الأول ؟

   في كتابه ” جدل الحداثة في الشعر ” (1985 ) يتناول المؤلف وفيق خنسة النواب لينتقص منه . لقد صدّر هذا الشاعر السوري كتابه بمقولات لماركس ولينين و الشيوعي اللبناني محمد دكروب , وتناول مفهوم الحداثة و درس شعراء عديدين منهم أحمد عبد المعطي حجازي و عبد العزيز المقالح و محمد الفيتوري وأدونيس . ومن المؤكد أن المرء لا يفاجأ بأحكام الشاعر , فما دام مؤيدا لأحزاب شيوعية عربية , وما دام معجبا بأدونيس إعجابا كبيرا عبر عنه بالعبارات التالية :

   ” أن تقرأ أدونيس يعني أن تتهيأ لأنك مدعو لطقس جديد … أنت مطالب بكل الحضور وكل التذوق وكل الإقبال في احفال بهي للعقيدة .. أنت لا تستطيع أن تقرأ أدونيس وأنت تدير ظهرك للكيمياء , لأن الجمالية لدى ادونيس تتأسس على انفتاح اللغة الشعرية , على خلع أبواب القابلية .. ” ( 125 ) .

فإن المرء لا يفاجأ وهو يقرأ التالي عن النواب :

” إن وتريات ليلية نهاية منهج شعري وقمته بآن واحد , ولكن هذا الاتجاه خرب جمالية القصيدة , وهدر الكثير من موهبة الشاعر دون مقابل ” ( ص 43 ) .

ويعقب على مقطع النواب :

” يا حكاما مهزومين

ويا جمهورا مهزوما ..

ما أوسخنا ..

لا أستثني أحدا “

قائلا : ” بوضوح هذا الكلام ليس شعرا , انه شتائم رخيصة وسوقية ” ( ص 42 ) ,  ويتساءل المؤلف قائلا : ” ترى هل صحيح أننا وسخون , أبناء الأعداء , بدءا بالثورة الفلسطينية , وانتهاء بالثوار الذين يسقطون شهداءً بالعشرات كل يوم في الوطن العربي ؟” ( ص 42 ) .

   و على الرغم من أن النواب كتب الوتريات ما بين ( 72 – 1975 ) , وعلى الرغم من انه كتب بعدها قصائد يمجد فيها الفدائي , مثل قصيدة تل الزعتر , التي يخاطب فيها الحكام :

” أتحدى أن يرفع أحد منكم عينيه أمام حذاء فدائي يا قردة .. “

إلا أن الخنسة لم يشر إلى هذا التغير في موقف النواب . إن بحث المؤلف عن جمالية القصيدة وحداثتها جعله يثمن دور ادونيس هذا التثمين , وحتى لا يشتم بأنه رجعي صدّر كتابه بعبارة لينين :

” حتى نستطيع تقريب الفن من الشعب , و تقريب الشعب من الفن , ينبغي علينا , في البداية , رفع المستوى التعليمي والثقافي العام ”  ( ص 7 ) . ونزول النواب إلى مستوى الجماهير , وكتابته شعرا ينتقل فيه الشاعر مباشرة إلى : نثرية هي أقل جمالا من الصياغة الصحفية اليومية ” , هو ما جعل منه في نظر المؤلف , نهاية مرحلة شعرية في آن , ولم يتساءل الدارس لماذا

تمنع الأنظمة العربية أشعار مظفر ولا تمنع أشعار أدونيس التي ترحب بها ؟ ولا أريد أن أقدم على هذا السؤال  , السؤال التالي : لماذا تصغي الجماهير إلى مظفر ولا تقرأ أشعار ادونيس ؟ ولا شك أن الخنسة سيجيب : اقرأ مقولة ” لينين ” التي صُدِّر بها الكتاب .

   دراسة أخرى أرغب في الإتيان عليها , هي دراسة الدكتور خالد الكركي ” حماسة الشهداء : رؤية الشهادة والشهيد في الشعر العربي الحديث دراسة ومختارات ” ( 1998 ) .

يُعد هذا الكتاب أطول دراسة درست موضوع الشهادة والشهيد في الشعر العربي الحديث , وهو أيضا أحدثها ؛ أحدث الدراسات . وليس هناك تاريخ يوضح متى بدأ الدارس في انجاز دراسته التي قدم لها د.احسان عباس في كانون الثاني 1998 , أي أنها كانت أُنجزت في عام 1997 , وقبل هذا العام بعام , صدرت من لندن , الأعمال الكاملة لمظفر النواب , وقد خلت قائمة مراجع الكتاب من الإشارة إليها , وهذا يعني أن المؤلف لم يطلع عليها , وان كان أتى بإيجاز على موضوع الشهيد في أشعار مظفر , معتمدا على بعض القصائد التي وردت كتاب باقر ياسين ” مظفر النواب : حياته وشعره ” ( 1988 ) . وفي العودة إلى كتاب د.الكركي ” الرموز التراثية العربية في الشعر العربي الحديث ” ( 1989 ) , نلحظ أنه يمتلك ” وتريات ليلية ” و”أربع قصائد ” , وهما مجموعتان تخلوان عموما من قصائد رثى فيها الشاعر الشهداء . وعليه فإن المرء , للوهلة الأولى , يتجاوز إهمال المؤلف لدراسة قصائد النواب التي خصصت للشهداء . وحين يمعن المرء النظر في كتاب باقر ياسين , ويقرأ الملحق الخاص الذي أفرده المؤلف لبعض قصائد النواب , يستغرب المرء لماذا لم يورد الدارس إحدى هاتين في الملحق الذي اتبع فيه دراسته , ولماذا لم يقف أمامهما , أبضا , وقفة متأنية ؟ , وما أراه هو أن صورة الشهيد في أشعار مظفر النواب تحتاج – بعد إلى إصدار أعماله الكاملة – إلى دراسة . فأعماله تضم العديد من القصائد التي رثى فيها الشهداء , وتقدم صورة تبدو – إلى حد ما -مختلفة , وربما تبدو على قدر من المبالغة التي ينفر منها بعض المسلمين .

   يختار الدكتور صلاح فضل في كتابه ” أساليب الشعرية المعاصرة ” , يختار شعراء مشهورين ليدرس بعض قصائدهم , يختار أدونيس ونزار قباني و محمود درويش وسعدي يوسف والسياب و الماغوط وعفيفي مطر والبياتي وصلاح عبد الصبور . وتمثيل شعراء العراق كما هو واضح , تمثيل جيد , ويقر المؤلف بأن رضا الشعراء غاية لا يمكن أن تنال , وكان اختياره للشعراء عائدا إلى ما يمتاز به كل واحد من المدروسين , فلكل منهم نهج ما يجمع ما بين التعبير والتجريد .

وإذا أتينا على دراسات بعض الدارسين العراقيين , ألفينا بعضهم لا يشير إليه , في حين يقر آخرون بشاعريته وتميزه .

   يخلو كتاب حاتم الصكر ” كتابة الذات : دراسات في وقائعية الشعر ” ( 1994) من أية إشارة للنواب . وربما يعود السبب في ذلك إلى أن الصكر الذي نشر كتابه في الأردن ما يزال يقيم في بغداد , وبالتالي فإن موقعه يؤثر على موقفه . والنواب , كما تعرف , شخص غير مرغوب فيه في العراق . حقا إن الصكر كتب عن البياتي , وهذا أيضا لم يُقِم , منذ فترة طويلة في العراق , إلا أننا نعرف , من خلال قراءة شعر النواب والبياتي , أن ثمة فارقا بينهما في نغمة الخطاب ومباشرة القصائد وابتعادها عن المباشرة . ويرى د. علي جعفر العلاق في كتابه : “الشعر والتلقي ” ( 1997

) أن النواب : “يُعتبر بنبرته الحارة ولغته الواخزة , واحدا من الأصوات الشعرية المتميزة في الشعر العراقي الحديث ” ( ص 28 ) . ولكنه يرى أن مجد النواب الحقيقي ” يكمن , ربما , في أرض أخرى : القصيدة العامية ” (ص 28 ) . ولا يفرد العلاق صفحات يدرس فيها أشعار النواب ويوضح ما ذهب إليه . إنه يكتفي بالإشارة إليه في فقرة لا تتجاوز عشرة أسطر .

   وكما أشرت في التمهيد , فإن هذه المقالة لا تدعي الإحاطة والشمول . إنها ليست أكثر من مدخل لظاهرة تعامل الدارسين مع شاعر شكل علامة بارزة من علامات الشعر العربي في الثلاثين سنة الأخيرة . وبقي أن أشير هنا إلى كتابين صدرا عن النواب من دمشق وهما : كتاب باقر ياسين ” مظفر النواب حياته وشعره ” ( 1988) , وكتاب عبد القادر الحسيني وهاني الخير ” مظفر النواب شاعر المعارضة السياسية ” ( 1996 ) .

ثانيا التغييب عن المختارات وكتب التراجم .

   في كتاب ” أعلام الأدب العربي المعاصر : سير وسير ذاتية ” (1996) , وهو كتاب أعده الأب روبرت .ب.كامبل اليسوعي سيّر ل 380 أديبا عربيا معاصرا , ليس النواب واحدا منهم , وربما يكمن سبب استبعاده في أنه نشر أشعاره في كراسات و نشرات متفرقة , فلم تكن أعماله الكاملة , في أثناء إعداد الكتاب الضخم , قد صدرت . ولعل الإشارة التي صدر بها المشرف على الكتاب كتابه تعفينا من محاكمته واتهامه بالتحيز ” فلم نلتفت عند الاختيار إلا لما ظهر في كتاب مطبوع , دون المقالات المنفردة أو المراجعات أو الكراسات التي نشرت متفرقة , إلا إذا أعيد طبعها مجموعة في كتاب ” ( ص 8 و 9 ) .

   ولا أرى د.ميشال خليل جحا – فيما ذهب إليه في كتابه ” الشعر العربي الحديث من أحمد شوقي إلى محمود درويش ” ( 1999 ) – محقا حين كتب واقفا أمام كتاب كامبل اليسوعي :

 ” فكيف يسمح شخص ( أجنبي ) لنفسه بأن يتناول الأدباء والشعراء العرب المعاصرين , في كل البلدان العربية ؟! فهل باستطاعته أن يطلع على جميع هؤلاء في دنيا العرب ؟! وهل يستطيع شخص فرد , مهما أوتي من خبرة ومعرفة واطلاع , أن يدعي معرفة كل الأدباء والشعراء في اليمن أو السودان أو موريتانيا مثلا … ؟! “(ص 7 ) .

ولعل اغفال الأب روبرت كامبل أسماء شعراء مثل صلاح لبكي وبشارة الخوري وشفيق المعلوف والشاعر القروي رشيد سليم هو سبب هذه اللهجة الحادة .

   ولم يخل كتاب د.جحا من الكتابة عن النواب وحسب , فلم يدرجه ضمن الشعراء الستة والعشرين المختارين , و إنما قائمة مصادره ومراجعه التي وقعت في خمس عشرة صفحة ( من 493 – 507 ) من أية إشارة للنواب , وحين يبرر اختياره لشعراء عراقيين يكتب : ” أما العراق , فإن الشاعر جميل صدقي الزهاوي ( 1863 – 1936 ) ومعروف الرصافي ( 1872 – 1945 ) و أحمد صافي النجفي ( 1895-1977 ) كممثل للشعر السياسي والاجتماعي الذي يصور واقع العراق الحديث . أو بلند الحيدري ( 1916 – 1996 ) الذي فضلت عليه عبد الوهاب البياتي .” ( ص 9 ) .

   إن الشعراء الذين اختارهم يمثلون في رأيه ” أهم وأبرز شعراء الطبقة الأولى من المعاصرين في العالم العربي , والأكثر تمثيلا لطبقتهم ” ( ص 8 ) .

   وإذا ما ألقينا نظرة على معجم البابطين الشعري ( 1995 ) لاحظنا أن النواب كان غائبا عنه . ولعل المرء يتساءل عن السبب  أيعود إلى المشرفين على المعجم أم يعود إلى النواب نفسه !!

ولا أريد أن أجازف وأتعجل القول , فلربما يكون النواب نفسه عزف عن المشاركة في المعجم .

   لم يغب النواب عن السير الذاتية أو المعاجم الشعرية وحسب , بل غاب أيضا عن المختارات الشعرية التي اشرف على انجازها بعض الدارسين العرب , ومع أنني غير مطلع على المختارات جميعها إلا أنني أعطي مثلا على ذلك . أصدر الأديب التونسي محمد علي اليوسفي كتابا عن الانتفاضة عنوانه ” أبجدية الحجارة ” ( 1990) , ويضم الكتاب العديد من المقالات الأدبية وقصائد لشعراء عرب وعالميين , ولكنه لم يدرج قصيدة مظفر النواب ” عرس الانتفاضة ” التي صدرت , ابتداء , في كراس ثم ظهرت في أعماله الكاملة . حقا إن الناشر كتب في المقدمة أن المختارات تقدم عينات كافية , وأن جهده ” لا يطمح أساسا إلى حصر كل ما كتب من نصوص , بمقدار توجهه إلى رصد ظاهرة متأنية من فعل الواقع المحتدم في الشاعر …” ( ص 5 وما بعدها ) . إلا أن الأسماء التي احتفل بها وأدرجت لها نصوص شعرية لم تقدم جميعها نصوصا شعرية متميزة تفوق نص النواب .

   بقي أن أشير إلى ن إنصاف النواب دراسة وطباعة أعمال إنما تم في الأرض العربية الخارجة عن سلطة النظام العربي , باستثناء النظام السوري والليبي , فقد صدر عنه في سوريا كتابان ( 1988) و ( 1996 ) , وأذيعت قصائده من ليبيا مرارا , واحتفل به الفلسطينيون احتفالا يوازي بقضيتهم .

   آمل أن تكون هذه المقالة التي لا تدعي الإحاطة والشمول لفتة , ولو بسيطة وعابرة , للانتباه إلى هذا الشاعر الذي سيشغل شعره الناس , ذات نهار , كما شغلهم شعر المتنبي .

تاريخ انجاز المقالة : تشرين ثان عام 1999

 [divider]

المراجع :

1- احسان عباس , اتجاهات الشعر العربي المعاصر , عمان , دار الشروق

2- باقر ياسين , مظفر النواب : حياته وشعره , دمشق , الناشر هو المؤلف , دمشق , 1988

3- حاتم الصكر , كتابة الذات : دراسات في وقائعية الشعر , عمان , دار الشروق , 1994

4- خالد الكركي , الرموز التراثية العربية في الشعر العربي الحديث , بيروت , دار الجيل , 1989 .

5- خالد الكركي , حماسة الشهداء : رؤية الشهادة والشهيد في الشعر العربي الحديث , بيروت , المؤسسة العربية للدراسات والنشر , 1998 .

6- صلاح فضل , أساليب الشعرية المعاصرة , بيروت , دار الأدب , 1995 .

7- عبد القادر الحصيني وهاني الخير , مظفر النواب : شاعر المعارضة السياسية , قراءة في تجربته الشعرية , دمشق , المنارة , 1996

8 – علي جعفر العلاق , الشعر والتلقي , دراسات نقدية , عمان , دار شروق .

9- علي عشري زايد , استدعاء الشخصيات التراثية في الشعر العربي المعاصر , الكويت , دار الفكر العربي , 1997 ط 2 , ط1 1977 .

10. محمد علي مقلد , الشعر والصراع الأيديولوجي , بيروت , دار الأدب , 1996 .

11- محمد علي اليوسفي , أبجدية الحجارة , باقة الغربية , منشورات شمس , 1993 ط2 , ط1 1990  .

12 – ميشال خليل جحا , الشعر العربي الحديث من أحمد شوقي إلى محمود درويش , بيروت , دار العودة , 1999 .

13 – وفيق الخنسة , جدل الحداثة في الشعر , بيروت ودمشق , دار الحقائق , 1985 .

الأعمال الكاملة لمظفر النواب

حمل الاعمال الكاملة لمظفر النواب

16455754

[button color=”orange” size=”medium” link=”http://readne.com/book/272″ target=”blank” ]للتحميل من هنا .Pdf[/button]

قصيدة بنات الشام | مظفر النواب

http://www.youtube.com/watch?v=iy_5bkXigN8&list=TLYvAsU119YuY

ثلاث أمنيات على بوابة السنة الجديدة | مظفر النواب

http://www.youtube.com/watch?v=yzxMSnQaIzQ&feature